سيد القمني

في واقعنا ستجد أن المسلم لا يعرف شيئا عن ديانة شقيقه المسيحي في الوطن، بينما المسيحي يعرف كل تفاصيل ديانة شقيقه المسلم لأنه يدرسها في المدرسة في نصوص اللغة العربية وفي التاريخ وفي الإعلام وكلها أدوات لا ترى في الوطن أحداً توجه لها خطابها سوى المسلمين وحدهم، يعرف المسلم عن ديانة شقيقه المسيحي في مصر فقط ما ورد عن المسيحيه في دين الإسلام نصوصا وتفسيرا وفقها،

وهو ما يختلف إلى حد التباين والتناقض عن الديانة المسيحية التي يعرفها المسيحيون من أناجيلهم الأربعة ورسائل الرسل الثلاثة والعشرين. والإعتقاد الإسلامي في إنجيل موحى به يعود إلى من يدعون (أصحاب الإنجيل العبراني)، وهم فرق منشقة عن المسيحية الأم وتعتبرها المجامع المسيحية المسكونية فرقا ضالة هرطوقية ولم تعترف تلك المجتمع سوى بالأناجيل الأربعة المتداولة الآن، وحالها حال الأحاديث النبوية التي لم يأت بها وحي إنما كتبها أصحابها رواية عن المسيح وأحداث زمانه.

المخطوطة السينائية: من اهم واقدم نصوص العهد الجديد والتي يرجع تاريخها الى ٣٥٠م تقريبا

ومع هذا القرار المسكوني تم اضهاد أصحاب الأناجيل الأخرى والتنكيل بهم وسحلهم، وكان أصحاب الإنجيل العبراني متعددي المذاهب بدورهم فمنهم النسطوري ومنهم الديصاني ومنهم الآريوسي... إلخ، ومع قيام المسيحية المتفق عليها بالمجامع ديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية زمن قسطنطين أخذ الاضطهاد شكله المنظم، مما دفعهم إلى الهروب بعيداً عن يد البطش الديني الإمبراطوري، إلى فيافي جزيرة العرب وبواديها، مع إنجيلهم العبراني الذي هو مقصد القرآن وتعريفه بالمسيحية التي هي صاحبة الإنجيل العبراني.

وبهذا المعنى التاريخي نجد أن هدف الآيات المعادية لأهل الكتاب هوأهل كتاب بعينهم كانوا يعيشون في جزيرة العرب حين ذاك، وبمرور الزمن وصفاء الجزيرة للمسلمين والإسلام خفت وجود أصحاب إنجيل العبرانيين ودخلوا في الظل وتلاشوا من التاريخ اللهم إلا شتات متناثر شمالي العراق وسوريا وانقطعت صلتهم بعقيدتهم الأصلية فذهب الأشتات كل منهم الى سبيل مغاير، مما يعني أن أحكام الآيات بشأنهم قد توقف العمل بها لزوال العلة التي تدور وجودا وعدما مع المعلول حسبما قرر الأصوليون المسلمون، لكن بعضنا يعاني من خلل في سموالإيمان وسماحته الداخلية وألوانه الطيفية التي تقبل كل الألوان ويجعل من نفسه في منزلة فوق منزلة الله وقراره فوق الله،فيهدمون ويحرقون بيوتا يذكر فيها اسم الله... مما يذكرنا بأصحاب مساجد الضرار.

بعضنا يجعل 

من نفسه في

منزلة فوق

منزلة الله

بهذا المسقط التاريخي من نافذة الإيمان نستطيع أن نفهم تجاور آيات حرية الإعتقاد مع آيات التحريض والكراهية ضد أهل الكتاب، وذلك باعتبارها حدثاً يخص زمانها ومكانها، لأن الآيات تؤكد لنا "أن الإنجيل فيه هدى ونور" و"أن التوراة فيها هدى ونور" و"كيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله". وهنا لا يصح القول بأننا نرتكب آفة الانتقاء التي أردنا الابتعاد عنها بل وانتقاء آيات منسوخة. والواضح أن هذا ليس إنتقاء لآيات منسوخة بآيات الكراهية والحرب المفترض أنها قد نسخت آيات السلم والسماحة، بل إن الموغلين في التعصب يحتسبون الديانة الإسلامية قد جبت ونسخت ما سبقها من أديان، وأن القرآن قد جب ونسخ ما قبله من كتب مقدسة موحى بها، هنا يسعفنا الإيمان، والإيمان يفترض أن عظمة الله لن تسمح لبعض الناس أن يحرفوا بعض كلامه (الإنجيل والتوراة)، بينما تصون بعض كلامه (القرآن).

لأن كلامه كله هومن عنده ومن قوله القدسي، ومن ثم فإن سلامة الإيمان تفترض أن كلامه كله هوموضع حمايته وصيانته، وحتى لوذهبنا معهم وقلنا بنسخ الإسلام لكل ما سبق من ديانات وكتب، فلدينا في القرآن درسا وأسوة،والمدهش في هذا الدرس درجة وضوحه، فستجد أن ما تم نسخه من آيات ظل في الكثير المعظم محفوظا بالقرآن ومكملا وموضحا وشارحا رحلة القرآن التطورية الناتجه عن تفاعله مع الواقع أخذا وعطاءا نسخا وتبديلا رفعا وإنساء في جدل وحوار مستمر مع متغيرات الأحداث في الواقع الأرضي، ومن ثم الدرس يقول إن الله قد أبقى على كتبه السابقة ولم ينسخها وأبقى على المؤمنين كدليل شاهد على الرغبة الإلهية، كما أبقى على الآيات المنسوخة برغبة منه وإرادة.

دمشق: من رموز استمرار ذكر اسم الله فيه - من معبد للإله هدد رمّان الى معبد جيوبتر الى كاتدرائية ليوحنا المعمدان الى جامع بني أميّة

وهنا لا بد أن نصل إلى نتيجة واضحة وهي أن وجود الديانات الأُخرى ووجود أصحابها هو رغبة إلهية، ورغم ذلك يزايد بعضنا على هذه الرغبة اليوم، فالله هومن أراد لسكان كوكبنا أن يكونوا شعوبا وقبائل وأمما مختلفه لكن ليتعارفوا، ولذلك يؤكد القرآن أن ذلك كان الهدف من خلقنا، وان الله يريد أن يظل هذا الاختلاف موجودا، ولكنه اختلاف التعارف والتآلف، اختلاف البعض يتمم البعض، وهكذا يكون الله قد أكد ضرورة وجود المختلف برغبته وبوصفه الخالق الوحيد وذلك إعلانا بأن ثراء الحياة الإنسانية ومساحة الإيمان الرحبة تتسع لكل المختلفين.

لأن الله أوضح ببساطة أنه لوكان يرغب في أن يكون البشر على الأرض أمة واحده لفعل، لكن بعضنا يتحدى تلك الرغبه الإلهية ويريد أن يعلوا برغبته فوق رغبة الله وإرادته فوق إرادة الله لأن لديه خلل في الإيمان وتدهور وفشل في الضمير.

البعض لم يرتق

بعد من درجة

الإسلام إلى

درجة الإيمان

ولعل أهم ما قدمه القرآن الكريم لهذا الإيمان الرحب من أسانيد قصة طوفان نوح وهي قصة يؤمن بها أصحاب الدينات الإبراهيمية جميعا، والتي تقول أن نوحا لم يعجبه ما عليه البشر من الضلال فدعا عليهم بالإبادة الجماعية، وقرر الله أن يستجيب لنوحا لأنه قرر في بدء الخليقة أن تكون دعوة النبي مستجابة، ولكنه اعطى الدرس لأصحاب الإيمان، وهو أن إزالة المختلف مستحيلة، فجاء من نسل المؤمنين الناجين من الطوفان كل من كفروا واختلفوا وانشقوا وارتكبوا المعاصي وعادوا أديانا شتى، تأكيدا لإرادة الله التي تعلوإرادة البشر حتى لوكانوا رسلا أنبياء مثل نوح، ترى هل لذلك عظم الله من شأن الإيمان وجعله على درجة أعلى من الإسلام. وهويوجه حديثة للبعض منا "قولوا أسلمنا ولا تقولوا آمنا" لأن هذا البعض لم يرتق بعد من درجة الإسلام إلى درجة الإيمان.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)