العفيف الاخضر

لا سبيل لفهم الديانات الحيّة إلا بمقارنتها بالدّيانات الميتة، كالبابلية و المصرية، التي كانت الرحم التي تخلقت فيها الاديان التوحيدية عبر التلاقح الثقافي. دعاة الحجاب يعتقدون أن مصدره الوحي. و الحال أن مصدره الحقيقي هو التّاريخ. بالرغم من أن الوحي، الذي يلعب فيه اللاشعور الفردي الجمعي دورا حاسما، هو ايضا منتوج التاريخ الشّخصي والعام.

الحجاب الإسلامي يتطابق جوهريا مع الحجاب الأشوري الوثني. جاء في كتاب "الحجاب":

وقد وردت القواعد الخاصة بحجاب النساء مفصلة في القانون الأشوري من حيث تحديد النّساء المفروض عليهن الحجاب و من لا يحق لهن الحجاب.فكان الحجاب فرضا على زوجات كل (سيد)، وكذلك بالنسبة للجواري المرافقات لسيداتهن، كما كان مفروضا على (الغواني المقدسات) بعد زواجهن. اما العاهرات و الإماء فقد كان الحجاب محرما عليهن. والمرأة منهن التي كان يتم القبض عليها و هي مرتدية الحجاب من دون حق كانت تخضع للعقاب بالجلد و صبّ القار على رأسها و قطع أذنيها ، (القوانين 183) و تقدم (جيردا ليرنر) تحليلا مفصلا لهذه القوانين (..) التي توضّح أن الحجاب لم يكن يستخدم فقط لتمييز الطبقات العليا، وإنما كانت وظيفته الأساسية هي التفرقة بين النساء (المحترمات) والنساء المتاحات للعامة. أي أن استخدام الحجاب كان يلعب دورا في تصنيف النساء تبعا لنشاطهن الجنسي، فكان ارتداؤه مؤشرا للرجال لجهة تمييز النساء الواقعات تحت الحماية الذكورية عن غيرهن من المتاحات مشاعا [1]

المحجبات في تدمر الوثني

انتقل الحجاب الأشوري لليهودية:

وكان في وسع الرجل أن يطلق زوجته إذا عصت أوامر الشّريعة اليهودية، كأن تسير أمام النّاس عارية الرأس او إذا تحدثت إلى مختلف أصناف الناس.[2]

تفسير السيوطي لآية الحجاب يتشابه بل يكاد يتطابق مع حيثيات القانون الوثني في القرن 12 ق.م ومع تفسير عمر بعده ب19 قرنا لآية الحجاب:

يفسر السيوطي الآية 59 من سورة الأحزاب: يا أيها النبي قل لأزواجك و بناتك و نساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين قائلا:

يعنى بالحجاب حتى تعرف الأمة من الحرّة. و كان عمر رضي الله عنه لا يدع جارية تتقنع (تتحجب) ويقول:إنما القناع للحرائر لكيلا يؤذين (..) رأى عمر جارية مقنّعة فضربها بدرته (عصاه) وقال:ألقي القناع، لا تتشبهي بالحرائر (....) وكانت المملوكة يتناولونها (ينكحونها) فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.[3]

تماما كما كان الحال في أشور قبل القرأن ب 19 قرنا، أما العاهرات و الإماء فقد كان الحجاب محرما عليهن كما يقول القانون الأشوري ،ويعاقبن مثلما عاقب عمر الجارية المتحجبة! لا شك إذن في أن الحجاب الإسلامي وثني.

لا شك في أن

الحجاب الإسلامي

وثني

على المدرسة التنويرية المرتجاة أن تقول ذلك للتلامذة والتلميذات لتنويرهم بحقيقة الحجاب النفسية والسوسّيولوجية والتاريخية، وان تقول لهم أيضا إن نساء الرسول لم يطبقن آية الحجاب هذه وقرن في بيوتكن. يقول الدكتور محمد عمارة:

يشهد على ذلك أن نساء النبي لم يلزمن بيوتهن لا يخرجن منها بعد نزول هذه الآية فقد كن يخرجن لحاجتهن في حياة الرسول وبعد وفاته، وخروج عائشة للقتال في وقعة الجمل شهير(..) وتتفق الأحاديث على أن أزواج النبي ونساء المسلمين كنّ يصحبن الني (ص) إلى ميدان القتال...وبقي العمل عليه جاريا بعد نزول آية الحجاب أيضا.[4]

إذا كانت نساء النبي لم يطبقن في حياته ولا بعد مماته آية الحجاب ،فكيف يجول بخاطر عاقل، لم يذهب بصوابه جنون الغيرة من احتمال مقارنة زوجته له برجل آخر، أن يطالب المسلمات، بعد 15 قرنا من نزول آية الحجاب، بتطبيقها المستحيل بالنسبة لنصف مليار مسلمة، خاصة العاملات منهن؟".

يا صنّاع القرار التّربوي دعوا مدارسكم تتكلم عن المسكوت عنه وإلا دفعتم ثمن سكوتها عن المسكوت عنه نقصا في الاستقرار والأمن والتنمية ومزيدا من الفوضى والدم المسفوك. فائدة: اكتبوا على أبواب مدارسكم و جامعاتكم اجتهاد جمال البنا:

لم يفرض الإسلام الحجاب على المرأة بل فرض الفقهاء الحجاب على الإسلام

مراة بابلية غير محجبة: لا قيمة لها

المرأة نفسها ليست بريئة من جريمة عدائها.بل غالبا ما تكون شريكة فيها.لماذا؟ لأنها كما يقول السّوسيولوغ، بيار بورديو: "استبطنت، بالعنف الرمزي، رأي جلادها فيها". المحرمات التي حرّمها الرجال على النساء في شروط تاريخية و ثقافية معينة ، تُطمس تاريخيتها لتصبح من صنع "الله" و"الطبيعة" و"البيولوجيا." وهكذا يسهل على المرأة استبطانها و التسليم الأعمى بها.ليست المرأة وحدها بل الطفل والعبد و الجاهل... غالبا ما يستبطنون رأي جلاديهم فيهم بتأثير التربية: ألم ترفض غالبية النّساء سنة 1956 مجلة الأحوال الشخصية التي حررتهن من رق فقه القرون الوسطى المعادي لهن الذي كتبه الرّجال للنّساء؟ ألم يرفض العبيد سنة 1863 تحرير ابراهام لينكون لهم؟! ألم يرفض عبيد السعودية عتق الملك فيصل لهم سنة 1963؟! ألم تؤاخذ الّرواية التوراتية يهود "الخروج" على حنينهم إلى قدور اللحوم المصرية؟!

في ارض الإسلام، التلقين وحشو الأدمغة وغسلها بالأوهام الدينية هو اليوم المسؤول الأول عن الدّرجة صفر من الرق النّفسي الذي يجعل المرأة تصدّق رأي عدوها فيها:

من حق الزوج على الزوجة أن لو سال منخراه دما وقيحا و صديدا فلحسته بلسانها ما أدّت حقه. لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة بأن تسجد لزوجها (حديث).

فضلا عن ركام الأحاديث الأخرى المعادية للمرأة مثل:

تبطل الصلاة إذا مرّ كلب اسود أو امرأة.

نعم: الكلب الأبيض أفضل عند الله من المرأة! و مثل الحديث الأخر شاوروهن وخالفوهن الذي يفسره أعداء المرأة: لأن الشيطان ينطق على لسانهن مطلوب من الزوج أن يشاور زوجته لغاية وحيدة: العمل بعكس مشورتها: شاور زوجتك في كل شيء و خالف ما تشير به عليك في كل شيء.لماذا؟لغاية سادية: لتشعرها بأنها عندك، وعند الله ورسوله لا شيء.

جلّ، بل ربما كل هذه الأحاديث المعادية للمرأة موضوعة على الأرجح، إذ لا وجود لنظائرها في القرآن. لكن هذيان أعداء المرأة الديني يعتبرها قطعية الدلالة و قطعية الثبوت!

فككوها انتم بعلوم الإنسان و علوم الأديان و ادعوا وسط اليسار - ووسط اليمين - الإسلامي لتفكيكها دينيا. تحرير النساء من رقهن المستبطن هو بهذا الثمن.

أربعة عوامل على الأقل قد تساعد على تخفيف عداء المرأة في شكله البدائي السائد:

1) تنوير الرأي العام بالاعلام وتنوير الأجيال الطالعة بعلوم الإنسان و علوم الأديان و خاصة تاريخ الأديان المقارن، وأيضا علوم الأعصاب التي دحضت أسطورة الفوارق بين دماغ الجنسين، التي سادت منذ القرن19 ومازال أقصى اليمين الإسلامي يروّج لها.

تُطمس تاريخية الشروط

لتصبح من صنع

"الله" و"الطبيعة"

و"البيولوجيا"

2) مكافحة الفصل بين الجنسين في الدراسة و العمل و الّنقل و الفضاء العام. صرّحت وزيرة المرأة بأنها اقترحت إحداث مكاتب شرطة خاصة بالّنساء...تطبيقا حرفيا لتعاليم هيئة الأمر بالمعروف والّنهي عن المنكر السعودية! على المجتمع المدني أن يتصدى لهذا التمييز الجنسي المعادي للمرأة.

3) التشهير في التعليم والإعلام بالعقوبات البدنية الهمجية المسلطة على المرأة التي وعت مقاصد جلادها منها وتمردت عليها. القانون الإسلامي الإيراني يعاقبها ب15 يوما سجنا أو 75 جلدة إذا أساءت ارتداء الحجاب! كما يوجب اغتصاب الجلاد للفتاة البكر قبل إعدامها!

4) مكافحة آفة الآفات، الحرمان الجنسي، بالإلغاء الكامل للفصل بين الجنسين في الفضاء العام والاعتراف القانوني، طبقا لمواثيق حقوق الإنسان، بالحرية الجنسية: إباحة جميع العلاقات الجنسية بين الراشدين الراضين.

لاحت تباشير الاعتراف بهذه الحرية الجنسية الضرورية لمكافحة عداء المرأة، في ارض الإسلام، بإلغاء الدستور التركي سنة 2006 لعقوبة الزنا، فلماذا لا يطالب أنصار المرأة والمرأة نفسها في الإعلام وفي المظاهرات أمام المجلس التّأسيسي بتقليد الّدستور التونسي الجديد للدستور التركي الإسلامي بإلغاء العقوبات الجنسية بين الراشدين الرّاضين فضلا عن إلغاء عقوبة الإعدام والاعتراف للمسلم بحقه في تغيير دينه كما في الدستور التركي؟

أراهن على انه، باستثناء الاتجاه الإيراني المعادي للمرأة في النهضة، فان العقلاء فيها، خاصة أنصار التجربة الإسلامية التّركية، قد يتضامنون، أو على الأقل يتعاطفون مع هذه المطالب المتطابقة مع مبادئ دين حقوق الإنسان الكوني.


(اقرأ الجزء الاول من المقالة)



[1] جمال البنّا "الحجاب"، ص ص 51، 52، رابطة العقلانيين العرب.

[2] نفس المصدر،ص 63.

[3] السيوطي،الدر المنثور في التفسير المأثور، ص ص 413 ،414 ،415 ،416.

[4] د.محمد عمارة "ابواالاعلى المودودي والصحوة الإسلامية" ص 39، دار الوحدة.