فاخر السلطان

تعاني غالبية الدول العربية والمسلمة من صعوبة نفوذ نهج احترام حقوق الإنسان في واقعها الاجتماعي، بسبب هيمنة السلوك الديني الأخروي على ذلك الواقع، وفقدان مكانة السلوك الساعي إلى تنظيم الاختلافات الفردية والاجتماعية، وقد شجع ذلك مفهوم "الوصاية" في تنفيذ مهامه المستبدة، من خلال وصاية رجل الدين ومؤسساته السياسية والاجتماعية والدينية على مختلف الأمور والقضايا والمسائل، ومن ضمنها على حرية الرأي والتعبير، بل وعلى طريقة الحياة والعيش فيها بشكل عام.

في حين أن منع هيمنة وتسلط السلوك الديني الأخروي على الواقع الاجتماعي، والسعي لنشر ثقافة التسامح واحترام حقوق الإنسان ومواجهة الانتهاكات التي تمارس ضدهما، كل ذلك منوط في تأكيد عدم التدخل بالسلوكيات الشخصية الخصوصية للأفراد، والسعي لنشر ما يساهم في تنظيم الاختلافات الفردية والاجتماعية.

لم تهدف الأخلاق

الدينية إلاّ إلى

تحقيق السعادة

الأخروية للإنسان

فمن شروط التسامح واحترام حقوق الإنسان في أي مجتمع، ولو كان مجتمعا محافظا مثل المجتمع الكويتي، ألا يفرض فرد أو مجموعة من الأفراد الذين يشتركون في تفسير ديني وقيمي متشابه أو متقارب، رؤاهم الدينية والأخلاقية على الآخرين، والتأليب ضدهم على أنهم ضد الدين والأخلاق. إذ هذا التأليب هو في حد ذاته عمل غير أخلاقي.

تلك الممارسات الوصائية من قبل رجال دين ومؤسسات دينية، والتي تعزز هيمنة جهة على أخرى، يمكن معالجتها من خلال نشر السلوك الاجتماعي المنظم للاختلافات. فالأخلاق الاجتماعية ترفض الهيمنة والوصاية المسببة للظلم والمنافية للعدل، وهي بالتالي تنظم السلوك الفردي والتنوعات الفردية وتضعها في قالب اجتماعي يحقق العدالة، كما تشجع عملية الانتخاب لمختلف صنوف الحياة الفردية.

"الوصاية" في تنفيذ مهامه المستبدة: نموذج ايراني

وهنا يُشترط أن تكون عملية انتخاب أي شخص لدين من الأديان، أو لتغيير دينه أو مذهبه إلى دين أو مذهب آخر، أو حتى عدم إيمانه بأي دين، عملية فردية خاصة، وإلا أدت وصاية وهيمنة وتضييق أتباع الدين خاصة دين الأكثرية، على حياة ومذهب وفكر الأقليات الدينية وغير الدينية، إلى التضييق على شعائر وطقوس وممارسات وحقوق تلك الأقليات.

إن حق الإنسان الفرد في انتخاب طريقة حياته الشخصية وانتخاب دينه ومذهبه وتدينه الشخصي، بل وعدم تدينه وعدم اعتقاده، هو شرط أساسي من شروط احترام حقوق الإنسان في أي مجتمع، وهو أحد مقومات نظام الأخلاق الاجتماعية الحديثة.

في المقابل، لم تهدف الأخلاق الدينية إلاّ إلى تحقيق السعادة الأخروية للإنسان، وما مشاريع الإسلام السياسي إلا وجهة تهدف للوصول إلى هذه النتيجة، فالسعادة الدينية في نظر المفسرين الدينيين السياسيين والتقليديين هي السعادة المنطلقة من الحق الديني الأخروي، لذلك هي لا تملك تصوّرا واضحا حول دور الأخلاق في تنظيم الاختلافات في العلاقات الاجتماعية الدنيوية، وهو ما جعلها غير مبالية ازاء تنظيم العلاقة بين الأفراد المختلفين في المجتمع، وبالتالي لم تهتم بقضايا التسامح وحقوق الإنسان وبانتهاكات الإنسان وظلمه وتضييقه وتعذيبه وقتله لأخيه الإنسان.

إن المفهوم الإنساني

الحديث للتسامح

يبتعد عن فهم أتباع

التيار الديني للمفهوم

فالأخلاق الدينية التقليدية لا تتمثل إلا في تهذيب النفس وإصلاح الروح وبث الفضائل في الإنسان وإبعاده عن الرذائل (حسب نظرة الدين للفضائل والرذائل) التي من شأنها أن تنقذه من النار في الدنيا الآخرة، لا أن تساعده في تنظيم علاقاته واختلافاته الاجتماعية في الحياة الدنيا وتحقق له رؤى اجتماعية إنسانية.

على هذا الأساس، فإن القيم الأخلاقية التي تساهم في تنظيم العلاقات الاجتماعية المختلفة، هي التي تستطيع أن تتبنى مفهوم الدفاع عن حقوق الإنسان، لأنها تدافع عن حق كل إنسان في الاختلاف، وفي جعل المختلفين يعيشون في إطار اجتماعي واحد، كل طرف يحترم وجود الآخر، ويحترم حقه في الإيمان بأي دين من الأديان، أو في عدم الإيمان بأي دين، لكن ضمن نهج لا يهدم الواقع الاجتماعي المعاش بل ينظمه.

في حين يثبت السلوك الآخر، سلوك أنصار الأخلاق الدينية الأخروية، أنه غير قادر على تقديم نهج يساهم في الدفاع عن حقوق البشر، لا سيما إذا ما سعى أنصاره إلى فرض رؤاهم الأخلاقية الدينية على باقي مكونات المجتمع، إذ يعكس سلوكهم هذا معاداتهم للتسامح وانتهاكهم للحقوق الفردية للأشخاص الذين يعيشون معهم في نفس المجتمع.

السعي لنشر ثقافة التسامح واحترام حقوق الإنسان

إن المفهوم الإنساني الحديث للتسامح يبتعد مسافات زمنية كبيرة عن فهم أتباع التيار الديني للمفهوم، حيث الأخير مرتبط بالنهج الأصولي الماضوي وبالثقافة التاريخية. وقد استطاع أكثر من نصف العالم أن يعتمد على المفهوم الحديث للتسامح لتحقيق قفزات نوعية في قضايا التعايش والتقدم والتطور، فيما لا يزال التيار الديني، في الكويت وفي غيرها من المجتمعات المسلمة، يستغله بطريقة قاصرة ومؤلمة وبعيدة كل البعد عن أي مسعى حضاري تعايشي. فهل لنا - مثلا - أن نعرف موقف التيار الديني "التسامحي" في الكويت من حرية الرأي والتعبير بشكل عام، ونظرتهم للمساواة، وللمرأة، ولغير المسلم، وللإلحاد، والارتداد، والتكفير، وغيرها من المسائل التي تعتبر بالنسبة إليهم خطوطا حمراء دينية؟

أم أن قضية التسامح تتعلق فقط بوجود كويتيين سنّة لابد أن يتعايشوا مع الشيعة والعكس صحيح؟ هل التسامح يتشكل في الإطار الطائفي أم إنه مفهوم إنساني واسع وشامل وكبير لا يزال التيار الديني غير قادر على استيعاب أهدافه ومقوماته، ولا يستطيع أن يجاري مخرجات تفسيره؟ وحتى النظرة التسامحية السنية تجاه الشيعة والشيعية تجاه السنة، فإنها عادة ما لا تخلو من تفضيل طرف على آخر، حيث يتم طرح الموضوع على أساس انه منّة من طرف ضد الآخر وأمر لابد منه في إطار عملية التعايش في المجتمع. فالنظرة الأصولية لقضية التسامح، سواء من قبل السنة تجاه الشيعة أو العكس، هي نظرة فوقية وليست نظرة تنطلق من مفهوم المساواة والمواطنة.

يعتبر التسامح انه

يمثل تعديا على

"الثوابت الدينية

والعادات والتقاليد

إن أي انتهاك لشأن تسامحي من قبل التيار الديني، مهما ارتفعت درجة تأييد هذا التسامح في نصوص وروح الدستور الكويتي، إلا أن المنطلق الرئيسي لهذا الانتهاك هو عدم الاعتراف بالتسامح الذي من شأنه أن يمثل تعديا على "الثوابت الدينية والعادات والتقاليد"، بالرغم من أن فهم هذه الثوابت هو محصلة نسبية وليست مطلقة.

فالاعتراف - مثلا - بحرية الاعتقاد لدى الإنسان انطلاقا من حقه كإنسان، وليس انطلاقا من الفهم الديني والجواز الشرعي، هو موقف يدلل على مركزية الإنسان في الدستور الكويتي باعتبار أن احترام حقوقه هي الحَكَم لقبول أو رفض تلك الحرية. في حين أن الاعتراف بذلك انطلاقا من التفسير الديني يدلل على أن الخطاب الديني التاريخي هو البوصلة في تأييد أو رفض حرية الاعتقاد بل ورفض مجمل الحريات الإنسانية الأخرى.

فدستور الكويت في دفاعه عن الحريات العامة هدف إلى أن تسير البلاد في ركب الحداثة لا أن تتراجع وتتقهقر وتظل أسيرة التفسير الأصولي التاريخي للحياة. وحتى لو استند البعض في القهقري إلى المادة الثانية من الدستور، لكن ذلك يجب ألا يكون سببا للعودة إلى الوراء، بل سبيلا لطرح فهم حضاري للدين يستوعب مخرجات التنوع الأخلاقي والاختلاف واحترام حقوق الإنسان.