هاشم صالح

بداية أود أن أطرح هذا السؤال: كيف ينظر اركون الى الفكر العربي الاسلامي؟ ما هي النظرة الاجمالية التي يلقيها عليه؟ هذا أول شيء ينبغي طرحه لكي نفهم المخطط العام الذي ينطلق منه هذا الباحث الكبير لفهم الفكر العربي الاسلامي وتشخيص أزماته ومشاكله والانسدادات التاريخية التي يعاني منها حاليا. فاركون من أتباع المنهجية الجديدة التي تقول بانه لا يمكن فهم الحاضر الا على ضوء الماضي وأحيانا الماضي البعيد. والعكس صحيح ايضا. فالماضي أيضا يمكن فهمه على ضوء الحاضر وأحداثه.

هناك علاقة ديالكتيكية أي جدلية بين الطرفين: الحاضر يضيء الماضي والماضي يضيء الحاضر.ولذلك فهو من أنصار المنهجية التقدمية – التراجعية في علم التاريخ : أي التي ترجع الى الوراء لكي تتقدم الى الامام فتفهم السابق على ضوء اللاحق واللاحق على ضوء السابق. لا توجد مشكلة الا ولها جذور عميقة في الماضي البعيد. انظروا مثلا الى المشكلة الطائفية أوالمذهبية التي تهدد بلداننا حاليا في العراق ولبنان وسوريا ومصر والخليج العربي بالنزاعات والانقسامات الخ..وبالتالي فلتشخيصها جيدا نحن بحاجة للعودة الى الوراء قرونا عديدة من اجل الكشف عن جذورها الدفينة.واذا ما استطاع الحفر الاركيولوجي في الأعماق اضاءة جذورها الاولى فاننا نستطيع عندئذ حلها وعلاجها واتقاء شرها واطفاء الحروب الاهلية التي قد تشعلها هنا او هناك..ووحدتنا الوطنية لا يمكن ان تتحقق قبل ذلك.

محمد الركون: يقوم بعملية حفر اركيولوجي في أعماق الأعماق التراثية

انظروا كيف تجاوز الانكليز والالمان والفرنسيون وسواهم من الأمم المتقدمة نفس المشكلة. انظروا كيف عالجوا انقساماتهم الطائفية المروعة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين بعد ان عاشوا وحشية الحروب الاهلية والمجازر ودفعوا الثمن باهظا..لم يكن الكاثوليكي يطيق البروتسانتي والعكس صحيح أيضا. ولكن عن طريق تنوير العقول وبلورة تفسير جديد للدين المسيحي استطاعوا تجاوز هذه الحزازات المذهبية الموروثة عن الماضي البعيد والراسخة في العقلية الجماعية. والآن لم يعد لهذه المشكلة من أثر لديهم. لقد تشكلت وحدتهم الوطنية وترسخت الى حد أنه لا يمكن للمشكلة الطائفية أن تزعزعها بعد الآن. هنا تكمن فائدة التنوير الديني والفلسفي: أي الفهم الحديث والمستنير للدين. وهو ما ينقصنا بشكل موجع الآن نحن العرب والمسلمين.

لا توجد مشكلة

الا ولها جذور

عميقة في

الماضي البعيد

قبل الدخول في التفاصيل يمكن القول بان أركون يقسم تاريخ الفكر العربي الى عدة أحقاب متمايزة ومتواصلة في آن معا. الحقبة الاولى المؤسسة للعرب ولفكرهم وحضارتهم العالمية هي بالطبع تلك التي شهدت انبثاق ما يدعوه اركون بمصطلح الحدث القرآني وما ندعوه نحن عموما بظهور الاسلام. وقد استغرقت هذه المرحلة مدة اثنتين وعشرين سنة من الدعوة المحمدية كما هو معروف(610.632). هذه هي نقطة الانطلاقة الاولى التي صنعت مجد العرب لاحقا وجعلتهم يدخلون التاريخ بعد ان كانوا تبعا وكمّا مهملا بالقياس الى كلتا الامبراطوريتين البيزنطية والفارسية. لقد شحنتهم برسالة دينية كبرى ودفعتهم بكل حماسة لفتح العالم. وقد وصلت أصداء الرسالة بسرعة مدهشة الى زوايا العالم الاربع. هنا تكمن عبقرية النبي محمد(ص) الذي حاولت بعض الرسوم الكاريكاتورية التافهة ان تنال منه، ولكن هيهات.. فالانبياء لا أحد يصل الى كعب كعبهم فما بالك بقامتهم الشامخة وعظمتهم الراسخة! هذه المرحلة القصيرة جدا كانت كافية لكي تشحن التاريخ العربي فيعطي بأفضل ما عنده ويحبل بالممكنات.

بعدئذ انطلق العرب لفتح العالم مفعمين بهذا النص الالهي، بهذا الكلام النبوي الذي جعلهم قادرين على اجتراح المعجزات. وعلى هذا النحو تشكلت الحضارة العربية الاسلامية الكلاسيكية التي امتدت من عام 632 الى عام 1300 تقريبا: أي حتى سقوط بغداد على أيدي المغول وبداية الدخول في عصر الانحطاط وخروج العرب من التاريخ. وهو خروج لم يقوموا منه بشكل من الاشكال حتى الآن. هذه هي المرحلة الثانية من مراحل تاريخنا. انها تشكل العصر الذهبي بالنسبة لنا:أي العصر الأموي والعباسي والبويهي والفاطمي والأندلسي. تتلوها مرحلة ثالثة معاكسة هي تلك التي يدعوها اركون بفترة الافقار والجمود التاريخي: أي الانحطاط بالذات. وقد استمرت من عام 1300 وحتى عام 1800.

الاندلس: من مراحل العصر الذهبي بالنسبة لنا

خمسة قرون متواصلة من النوم على التاريخ، نومة أهل الكهف! وهي التي ندفع ثمنها الآن باهظا دون ان ندري..لماذا؟ لانه في هذه الفترة بالذات راحت اوروبا تستلم منا راية التاريخ على الضفة الأخرى من البحر الابيض المتوسط وتصنع الحداثة والعلم والحضارة محلنا أو بدلا عنا. وهكذا بعد ان انتهت حضارتنا ابدأت حضارتهم. وهذه هي حال الدنيا: يوم لك ويوم عليك، من سره زمن ساءته أزمان..لقد تعب العرب والمسلمون كلهم من العطاء الحضاري فاستسلموا للجمود والانحطاط والانغلاق على الذات والتكرار والاجترار. ويمكن القول بأنهم لا يزالون مستسلمين حتى الآن.

انظر مدى الفقر المدقع لخطب الجمعة في المساجد وكيف أنها عبارة عن تكرار واجترار للعصور الوسطى. نفس الشيء يمكن أن يقال عن برامج التعليم المدرسية وبخاصة في الدول المحافظة. ولكنها في طور التطوير على ما يبدو. وانظر هيمنة الحركات الاخوانية والسلفية على ما يدعى بالربيع العربي. في تلك الفترة بالذات (أي فترة انحطاطنا وخروجنا من التاريخ) حصلت الثورات العلمية والفلسفية والسياسية الكبرى في ايطاليا وانكلترا وهولندا وفرنسا والمانيا الخ... كل هذا حصل ونحن نغط في نوم عميق دون ان نشعر بما يحصل حولنا من اختراعات رائعة وتطورات كبرى. في تلك الفترة ظهر كوبرنيكوس وغاليليو وكيبلر وديكارت ونيوتن وجون لوك وهوبز وفولتير وديدرو وجان جاك روسو ولايبنتز وكانط وحتى هيغل. وفيها ايضا ظهرت الثورات الثلاث الانكليزية والاميركية وبالاخص الفرنسية. كل ذلك حصل والعرب نائمون على التاريخ في ظل الامبراطورية العثمانية المهترئة التي لم تساهم بذرة واحدة في صنع هذه الحداثة الفوارة التي لا نزال نعيش في ظلها حتى الآن.

سوف تعود الأفكار

الليبرالية الحداثية

الى الساحة لكي

تدشن الربيع

العربي الحقيقي

بعد هذه الحقبة الانحطاطية الطويلة استيقظنا من جديد ودخلنا في مرحلة رابعة هي ما يدعوه اركون بفترة "النهضة العابرة" بالرغم من انها استمرة قرنا ونصف القرن! وأعتقد أنه يظلمها الى حد ما. وقد استمرت بحسب تحقيبه الزمني من عام 1800 الى عام 1940 او 1950. لماذا يدعوها بالعابرة؟ لانها أُجهضت أخيرا على عكس النهضة الاوروبية التي حصلت في القرن السادس عشر واستمرت متصاعدة دون توقف حتى يومنا هذا. وبالتالي فنهضتنا كانت هشة، كانت على الرغم من جمالها وحماسة مبدعيها الكبار عبارة عن فاصل قصير في تاريخ انحطاطي طويل. والدليل على ذلك هو انه تلتها مباشرة وقضت عليها في ذات الوقت الفترة الايديولوجية الصاخبة بكل شعاراتها البراقة. وهي المرحلة الخامسة من تاريخنا والمقسومة الى قسمين: قسم شهد هيمنة الخطاب القومي ان لم نقل القومجي المتضخم بكل شعاراته في ظل الناصرية والبعث خصوصا. وقد استمرت هذه الفترة عشرين او ثلاثين سنة: أي من عام 1940 وحتى عام 1980.

الثورة الايرانية: من بوادر لمرحلة التي لا نزال نعيش في ظلها حاليا, أي الفترة الاصولية

وبعدئذ تلتها مباشرة المرحلة التي لا نزال نعيش في ظلها حاليا: أي الفترة الاصولية ذات الخطاب الايديولوجي المتضخم ايضا بكل شعاراته الحامية  ولكن هذه المرة اسلامويا لا عروبيا. وقد ابتدأت هذه المرحلة مع اندلاع الثورة الخمينية وانتصارها في ايران ثم اندلاع بقية الحركات الاصولية على أثرها هنا وهناك دون ان تصل الى السلطة اللهم الا باستثناء السودان.ولكنها وصلت مؤخرا بفضل "الربيع العربي" في تونس ومصر على وجه الخصوص. هذه الفترة لا تزال مستمرة من عام 1979 وحتى يومنا هذا وان كان بعض الباحثين قد اصبحوا يستشرفون على الأفق تباشير مرحلة سادسة وجديدة: هي مرحلة ما بعد الاصولية. قد يبدو هذا الكلام غريبا في وقت يكتسح فيه الاخوان والسلفيون معظم انتخابات الدول العربية ويقطفون ثمار الربيع العربي يانعة جنية. ولكن وراء الأشياء ما وراءها، وتحت الأشياء ما تحتها،فلا تغرنكم المظاهر. نحن نعتقد أنه بعد أن تستنفد المرحلة الاصولية ذاتها عن طريق ممارسة الحكم لفترة من الزمن فانه سيحصل رد فعل عليها. وعندئذ سوف تعود الأفكار الليبرالية الحداثية الى الساحة لكي تدشن يوما ما الربيع العربي الحقيقي. وهي المرحلة التي يحضّر لها فكر محمد اركون ويعمل من أجلها عن طريق التفكيك الراديكالي الجذري لكل المقولات التراثية الاصولية. لحظة أركون لم تحن بعد ولكنها قادمة لا محالة.

نهضتنا كانت هشة -

كانت عبارة عن

فاصل قصير في

تاريخ انحطاطي

طويل

ففي نهاية المطاف لا يصح الا الصحيح. في نهاية المطاف سوف يدخل العرب والمسلمون التاريخ عن طريق تبني الفكر العقلاني التنويري والتخلي عن الفكر الاصولي الجامد سنيا كان أم شيعيا، أخوانيا كان أم خمينيا. وعندئذ سوف تصبح الحاجة ماسة الى فكر آخر جديد.عندئذ سيبدو أركون وكأنه المنقذ أوالمخلص. لماذا؟ لأنه يقوم بعملية حفر اركيولوجي في الأعماق بل وفي أعماق الأعماق التراثية. من هنا أهمية مشروعه المشهور باسم: نقد العقل الإسلامي، أو تفكيك السياجات اللاهوتية المغلقة. وهذا يعني تفكيك الطائفية والمذهبية من أساسات أساساتها. ولكنه كان يعلم أننا لن نتجاوز المرحلة الأصولية قبل المرور بها والاكتواء بحر نارها.

وهذا ما يفعله الشعب الايراني منذ أكثر من ثلاثين سنة،وما ابتدأت الشعوب العربية تفعله الآن بفضل "الربيع العربي"! وهو ليس الربيع المنتظر بالضبط (البعض يدعونه خريفا أصوليا لا ربيعا) وان كان المرور به شيء اجباري للتوصل الى الربيع الحقيقي للشعوب العربية بعد عشرين أو ثلاثين سنة مقبلة ربما[1]. ولو أن أركون لم يرحل عن هذا العالم قبل سنتين بالضبط لما فوجيء بهذه الانتفاضات على الاطلاق.

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)

 


[1] يمكن القول بأنه ربيع سياسي أكثر مما هو ربيع ثقافي،من هنا الوجه التناقضي الملتبس لما يحصل حاليا.فمن جهة هو ايجابي لأنه يخلصنا من الأنظمة الشمولية الاستبدادية التي أرهقت الشعوب العربية. وهو من جهة أخرى يحل محلها الأنظمة الاصولية اللاهوتية حتى لكأنه يشكل عودة الى الوراء بدلا من التقدم الى الأمام...ولكن المستقبل مفتوح على كافة الاحتمالات، والتفاعلات الحاصلة عن كل ذلك سوف تمهد الطريق للربيع العربي الحقيقي المقبل.نقصد بذلك "اشراقة الشمس الرائعة" كما يقول هيغل عن الثورة الفرنسية، والتي ستكون هذه المرة فكرية وسياسية في آن معا وليس فقط سياسية تعبوية شعبوية.وبالتالي فما يحصل حاليا في تونس ومصر وليبيا وسواها ايجابي على الرغم من كل شيء..لقد حرك المياه الراكدة والمستنقع الآسن على الأقل..لقد حرر الجدلية التاريخية التي كانت معطلة في ظل أنظمة الوراثة الديكتاتورية.وهذه الجدلية التاريخية سوف تنقلب لاحقا على الأصولية أو الفهم التقليدي الجامد للاسلام.عندئذ سوف يأخذ فكر محمد أركون كل أبعاده باعتباره البديل الجدي الوحيد للأصولية..من هنا خوف الاصوليين منه. فهم يخشونه أكثر من سواه لأنه يتحدث عن الاسلام من الداخل لا من الخارج كما يفعل الكثيرون من المثقفين العرب..