رياض حمَّادي

الموت خسارة كبيرة وهو خسارة أكبر لأولئك المقربين من الفقيد والذين عرفوه معرفة شخصية وعن قرب . أو كما قال عبدالخالق حسين في وداع العفيف : "الموت ليس مشكلة الميت, لأنه فيه راحة أبدية, بل هو مشكلة أحبائه ومريديه" . لكن العظماء لا يموتون في عيون القراء ولا بمقياس الزمن طالما أن على رفوف المكتبات كتب تخلدهم .

والمفكر شاكر النابلسي بهذا المعنى لم يرحل فقد ترك لنا أكثر من خمسين كتاباً, ما بين نقد أدبي وثقافي وسياسي وديني, فضلاً عن مئات المقالات التي تناولت الحداثة والعلمانية والحرية والديموقراطية, ليست قيمتها في عددها وإنما في مضامينها. وإذا كان الشاعر قصيدة كما قال ت س إليوت فالمفكر موقف وهكذا كان النابلسي موقفاً جريئا وصادقا في زمن عربي يعد فيه المفكرون من هذا النوع على عدد الأصابع .

قبل سنوات (2005) كتب النابلسي دراسة بعنوان "محامي الشيطان : دراسة في فكر العفيف الأخضر", وإذا كان البعض يعدون الأخضر شيطاناً فالنابلسي بذلك يكون محامياً للشيطان . هذه الوظيفة لا يشغلها سوى قلة من المفكرين العرب, النابلسي واحد منهم ورحيله لا يعني أنه ترك هذا المقعد شاغراً طالما أن كتاباته ما زالت تمثل لنا قبساً نستضيئ به, والمنهج الذي ساهم فيه وسار عليه, هو وغيره من المفكرين الكبار, معلما نسترشد به .

تكون وفاة المفكر خسارة عندما يرحل قبل أن يقول كل شيء . وإذا كان الموت في أحد معانيه تعبيراً عن فروغ الإنسان من مهمته في الحياة يمكن القول بأن النابلسي قد قال ما عنده. لسان حاله يقول : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً" : الفكر النقدي الحر والوسطية غير المهادنة, اللامنتمية إلى مراكز الاستقطاب, حيث معنى المثقف ودوره "يتحدد بصفته النقدية .. وفي نظرته الناقدة لمجتمعه.. ويرى ما لا يراه الآخرون من أخطاء" فيسلم بذلك من معادلة الانتماء الثنائية "مع" أو "ضد" .

الخروج من بؤرة الاستقطاب لا تعبر عن مهارة بقدر ما تعبر عن فكر عميق . وهذا ما نجح فيه النابلسي كليبرالي وعلماني نهج في مقارباته الفكرية "منهج الرصانة والجرأة والابتعاد عن الوجدانيات الوطنية" والدينية .

أهمية شاكر النابلسي كمفكر تكمن في انه لم يكن معارضاً ولا موالياً وإنما "هو مفكر نقدي بالمعنى الفلسفي أي أنه يتفحص القضايا المطروحة عليه بموضوعية لمعرفة سياقاتها ورهاناتها لتنزيلها في سياقها التاريخي ضمن الاتجاه أو الاتجاه المضاد". هذا ما قاله النابلسي في مقدمة كتابه سالف الذكر عن المفكر العفيف الأخضر وهي تنطبق تماماً على كاتبها .

النجاة من مأزق الثنائيات ممكن بشرط رفض قانون الأكثرية, والتفرد والتمرد , والخروج عن المألوف, والاصطدام باليسار واليمين , وبهذا الشرط يصير الفرد من الثوار أو العلماء أو المجددين أو الفنانين ... أو من المجانين إذا كان جوهر الجنون كما يقول الدكتور "استيفان بنديك", هو "الحنين إلى الحرية" ومعناه عند الدكتور ر. د. لينغ , في كتابه "عصفور الجنة" "ثورة الأقلية العاقلة ضد الأكثرية المجنونة" !

وإذا كان أهل وذوي "الشهداء" يرفضون قبول العزاء ويستقبلون موت "شهيدهم" بالزغاريد, فالمفكر ليس أقل من الشهداء في شيء, بل أن دوره لا ينتهي بالموت كالشهيد. وإذا كان الشهداء "أحياء عند ربهم يرزقون" فالمفكرين أحياء أيضاً عند قراءهم ومريديهم يرزقون. ليس علينا أن نستقبل موتهم بالزغاريد ولا أن نسير على دربهم, فهم لن يرضوا لنا ذلك, وإنما أن نسير على منهجهم النقدي .

فكر النابلسي يحرضنا على التفاؤل, وهو قد وعدنا بانتصار العلمانية, ولو من داخل الإسلام نفسه لا من خارجه, فلنا أن نتفاءل بفكره لنعبر عن الموت بعيداً عن طقوس التأبين المعتادة متمثلين بقول مارك توين: "أنا لا أخاف من الموت, لأني إذا مت سأعود وكأني لم أولد" . ومثل هذا القول نجده عند أحد مجانين الشعراء : "أمير الحزن" الذي أحس بمطاردة الموت الأكيدة له ولم يفاجأ به مثلنا فكتب :

"أشعر أنني سأموت هنا ,

سوف أرقد على الحشائش

وببساطة ,

أموت !

أيتها الحياة ,

يا شعلة الدماء والأشواق

والمثل والأحزان وأطياف الأحلام

أنا أدير لك ظهري

وأغادرك !

الطيور تجثم حزينة فوق الأشجار وتمر الساعات البليدة

خلال ثقوب ساعة الحياة الرملية ! ..

أوه !

ما أشد شوقي إلى أن أكون بعيداً ...

أن أتلاشى بعيداً ... هذه هي النهاية . "

 

هذه هي نهاية الجسد أما الروح فلها مكانها الذي لا تغادره بين جنبات الفكر الذي تركه لنا أمثال شاكر النابلسي . هؤلاء هم الذين قال فيهم أمير الشعراء أحمد شوقي :

غَدَوا يَبنونَ ما يَبقى وَراحوا 
وَراءَ الآبِداتِ مُخَلَّدينا

وَلَيسَ الخُلدُ مَرتَبَةً تَلَقّى 
وَتُؤخَذُ مِن شِفاهِ الجاهِلينا

وَلَكِن مُنتَهى هِمَمٍ كِبارٍ 
إِذا ذَهَبَت مَصادِرُها بَقينا

وَسِرُّ العَبقَرِيَّةِ حينَ يَسري 
فَيَنتَظِمُ الصَنائِعَ وَالفُنونا

وَآثارُ الرِجالِ إِذا تَناهَت 
إِلى التاريخِ خَيرُ الحاكِمينا

وَأَخذُكَ مِن فَمِ الدُنيا ثَناءً