محمد الصندوق

من التقاليد الصينة القديمة والتي ظهرت في القرن العاشر الميلادي في عهد اخر ملوك سلالة تانك (Tang) هي ان تلف اقدام الفتاة الصغيرة بامتار طويلة من القماش ليبقى حجمها حوالي سبعة ساتمترات فقط. لقد كانت القيم الجمالية تنظر للحجم الطبيعي لقدم المرأة وقت ذاك على انه منظر غير مرغوبا به جماليا.

ورغم ان هذا الاجراء القاسي والغير انساني كان يسبب الكثير من المشاكل الصحيه بسبب تهشم عظام القدم عند منعها من النمو الا انه كان عادة اجتماعيه بقت متداولة في الصين في الاماكن النائيه لحين قيام الثورة الشيوعية. كما استخدمت الاحذية الحديدية كذلك لوقف نمو القدم.  وكانت هذه الاحذية تُزين  لتكن جذابة للاطفال. في كانون الاول عام 1997 صدرت اول دراسة بحثيه عن جامعة كالفورنيا (سان فرانسسكو) (UCSF) حول التاثيرات الناتجة عن القدم المُقيدة [1]. واهم ما بينته الدراسة هو الاعاقة الدائمة والمزمنة لضحايا هذا التقنيه والتي كان ما تزال تعاني منها الكثير من النساء الصينيات المُسنات وقت ذاك كذلك.

تقييد اقدام الفتيات: الاعاقة الدائمة والمزمنة لضحايا هذا التقنيه

القدم جزء طبيعي في الجسم البشري وذات وظيفة معروفة بايولوجيا. خنق نمو العضو البيولوجي يؤدي الى اعاقة دائمة لوظيفته. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ان الاعضاء الطبيعية كانت نتيجة تطور طبيعي لتمنح الكائن الحي القدرة على مواجهة التحدي الطبيعي من اجل البقاء. وكلما ازداد الكائن الحي اتقان لاستخدام قدمه كلما ازدادت فرصة بقائه امام اعدائه الطبيعيين.

المخ البشري هو اعقد عضو في سلم التطور وهو الاخر يمنح الانسان قدرة هائلة لمواجهة التحدي. لذا نشات الحضارات وتطورت في كافة المجالات محافظة على الجنس البشري كافراد او كمجتمعات. وكلما ازداد اتقان الانسان لملاكاته الفكرية كلما ازاد قوة وتحديا.  ويتميز الابداع في استخدام المخ البشري بخاصية التراكم الاجتماعي حيث تنتقل المهارة من جليل لاخر متراكمة ومتطورة. وقد بين نموذج كومت (A. Comte) الثلاثي المراحل لتطور الفكر الانساني قدرة الفكر على ادراك الطبيعة وبمراحل متطورة متعاقبة والمرحلة الرابعة التي إدعتُ وجودها هي مرحلة استثمار العلم لخدمة الانسان ومجتمعه في مواجهة التحديات المختلفة [2].

قادت هذه القيود

الحديدية الى

اعاقة فكرية دائمة

وكما قيد الصينيون اقدام الفتيات للحفاظ على حجمها قام المفكرون الاسلاميون بتقييد الفكر ومنع المخ البشري من ممارسة دوره منذ القرن العاشر وحتى الان [3]. لقد اتضحت الاعاقة الفكرية المزمنة الناتجه عن تلك القيود الحديدية بالتخلف الاجتماعي والحضاري الذي صاحب هذه المجتمعات خلال القرون الماضية ولحد لان. لقد ادى هذا الى توقف الانجاز العلمي والذي هو اساسا ناتج لمجابهة الطبيعة وتحدياتها كما تراجع تبعا لذلك التراكم المعرفي لعدم وجوده اساسا [4]. وهكذا قادت هذه القيود الحديدية الى اعاقة فكرية دائمة. هذه الاعاقة الدائمة الناتجة عن القيود الفكرية ولمدة قرون عدة ادت الى ما هو عليه من وضع في المجتمعات العربية الاسلامية من عدم القدرة على مجابهة التحديات على اختلاف انواعها.

قام المفكرون الاسلاميون بتقييد الفكر ومنع المخ البشري من ممارسة دوره

بعد الخروج من النفق الزمني بعد الحرب العالمية الاولى تجد هذه المجتمعات العربية الاسلامية نفسها حاليا امام مرحلتين متناقضتين هما صحوة الموت والصراع من اجل الحياة. ناتج هذا الصراع الدايمنكي هو الذي سيقرر مستقبل هذه المجتمعات التي عاشت ومازالت تعاني من الخمول الحضاري نتيجة القيود الفكريه الهائلة. الموت يتمثل بالركام الهائل لعشرة قرون من التخلف وتاثيراتها الاجتماعيه التي ما يزال الفرد لا يستطيع منها انفكاكا والصراع من اجل الحياة يتمثل في محاولة هذه المجتمعات في السير في ركب الحضارة الانسانية المعاصرة ومحاولة البحث عن موطئ قدم بعد ان تخلت عن موطأها منذ قرون عدة.

تصارع هذه القوى هو الذي يحدد طبيعة الحراك الاجتماعي. الصراع الحالي ليس صراعا من اجل البناء والنهوض انه صراع من اجل الحياة ومواجهة التحديات بامكانيات فكريه معوقه. فإما عودة للركود الحضاري السابق للحرب العالمية الاولى او الركض نحو حلم النهضة وليس النهضة. ما تزال هذه المجتمعات بعيدة جدا عن النهضة. ان هذه المجتمعات قادها الانهاك والتعب الحضاري الى عدم القدرة على التمييز لذا فهي تتجه الان او غدا نحو الانتحار الاجتماعي. لا شك في ان ظواهر اجتماعية من قبيل:

1-      الارهاب المشرعن باساليبه المختلفة

2-      كثرة الثورات والانتفاضات والاصلاحات وخلال فترات زمنة صغيرة

3-      ممارسات تغييب الوعي الجمعي والتربية بالابتعاد عن الواقع والاستهانه بالعلم والفكر العلمي

4-      التهديم المستمر للبنى التحتيه (على قلتها وبساطتها) والانظمة وبتسميات مختلفة

5-      التناحر الديني والطائفي  ومحاولات الانتقصاص والتهديم المستمر لمعتقدات ابناء المجتمع الواحد.

6-      القتل والتدمير بغطاء المبادئ والمثل العليا

7-      الانهيار القيمي والاخلاقي

8-      التدمير المحلي للثقافة والتراث (تدمير الذات)

9-      عدم الاكتراث للخسائر المادية والاقتصادية الهائلة والمرافقة لكل ما ذكر اعلاه

ما هي إلا دلائل على ظاهر اجتماعيه غير طبيعية (الانتحار الاجتماعي).

هي تتجه الان

او غدا نحو

الانتحار الاجتماعي

ان موضوعة الانتحار الاجتماعي (suicide of society) قد تكون غير متداولة في علم الاجتماع كونها ظاهرة غير مالوفة, كحالة عدم أُلفة القيد الفكري الحديدي.  ولكن لربما يكون ارنولد توينبي (A.Toynbee) هو اول من تناول مفهوم الانتحار الاجتماعي في نظريته حول تلاشي او موت المجتمعات [5]. أما بالنسبة للمجتمعات الاسلامية فأول من تناول هذه المأساة في الفكر الاسلامي بالتحليل التأريخي واستخدم مصطلح الانتحار الثقافي (Intellectual Suicide) هو الباحث روبرت رايلي (Reilly  R.) [3). تناول رايلي الموضوع من وجهة الانغلاق الفكري لذا طرح مفهوم الانتحار الثقافي. ولكن عند تناول المجتمع كتركيب دايناميكي متفاعل نجد ان الانتحار الثقافي يقود الى انتحار اجتماعي وهذا ما يحدث.

المجتمعات الفاشلة تبني وتهدم

هناك من يعزو هذا التدهور الى التدخلات الخارجية. ولكن المجتمعات الانسانية على مرور التاريخ متفاعلة بشكل او اخر. القابلة على مجابهة التدخلات هي ما تدعى بالقابلة على مجابهة التحدي, وهي احد اسباب التطور الحضاري كما يرى توبنبي (Challenge and response) [5). محاولات التدخل ظاهرة طبيعية ولكن عدم القدرة على المجابهة تعني ضعف وقلة الامكانيات. وهذه المجتمعات ليس بالضعيفة ولكن انغلاقها الفكري ولقرون عدة افقدها القدرة على التطور ومواجهة التحديات وهذا هو ضعفها القاتل.

المجتمعات الفاشلة قد تملك امكانيات البناء المادية ولكنها لا تملك القدرة البشرية والوعي الاجتماعي اللازم للبناء. مثل هذه المجتمعات اما انها تتخبط في بنائها باعتمادها على امكانياتها الذاتية وبذلك تبني وتهدم او انها تبني بالقدرة البشرية المُستعارة. النموذج الاول ونتيجة البناء والهدم المستمرين يتراجع دائما نحو الوراء والنموذج الثاني لا يملك المستقبل المضمون لدوام بنائه فهو سهل الهدم بمجرد تراجع القوى المُستعارة عن البناء.

كل ما تم انفاقه على محاولات تطوير هذه المجتمعات منذ بداية القرن العشرين وحتى الان ذهب ادراج الرياح بعضه او كله وما بقى فهو في طريقه للرحيل. مشكلة هذه المجتمعات الاساسية هو عجزها عن اعادة بناء الفرد لبناء مجتمعها المعاصر. أن التحديات المعاصرة اكبر واكبر من ان يستوعبها فكر مُقيد منذ قرون عدة.


1- Cummings SR, Xu L, Stone K 1997 ‘Consequences of foot binding among older women in Beijing, China’. Am J Public Health 87:1677–1679.

2- Sanduk M., ‘Is the Technology a New Way of Thinking?’, The Journal of Technology Studies, Volume XXXVIII, Number 2,  2012.

3- Reilly R, The Closing of the Muslim Mind: How Intellectual Suicide Created the Modern Islamist Crisis, Intercollegiate Studies Institute; 1st Edition (April 4, 2011).

4- Sanduk M, Growth of science under the influence in Arabic-Islamic and Western Civilisations, 700-1900 (Statistical Models), Pittsburgh University, Philosophy of science archive, 2012. http://philsci-archive.pitt.edu/9012/ .

5- Arnold J. Toynbee, A Study of History, Oxford University Press (1947). p. 273.