العفيف الاخضر

كتَبتَ أن الإرهابيين، وهم ينفّذون جرائمهم، يتخيّلون أنّهم يقلّدون النبيّ؟

المهم ليس فهم المظاهر، التي يتجلى فيها الإرهاب، بل فهم الميكانيزمات، أي آلياته وروافعه الدينية ـ النفسية، الكامنة وراء تجليات الإرهاب ومآسيه.

أحد هذه الميكانزيمات، هو الرغبة الهاذية في "تقليد" النبي بما هو "سلف الأسلاف"، تقليد كل ما قاله أو فعله، المتأصلة في نفسية قطاع من المسلمين، خاصة السلفيين والوهابيين والجهاديين، والتي تدفعهم إلى إعادة تمثيل ما قاله أو فعله النبي منذ 14 قرناً. مثلاً قادة الحركات الإسلامية، يبدؤون كتاباتهم بـ : "نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا"، التي افتتح بها النبي "الصحيفة"، ويرسلون لحاهم مثلما أرسل، ويستاكون بعود الآراك مثلما استاك، ويفطرون في رمضان بـ 4 تمرات وكأس حليب كما كان يفطر، ويقتلون المدنيين اليهود ـ أو يتوعدونهم بالقتل ـ كما فعل هو.

جعل الولاء

والبراء صادقة

غير المسلمين

مُخرجاً من الملة

المظهر الأول لرواسب إسلام المدينة في واقع المسلمين اليوم، هو أنهم، عكساً للأمم الأخرى، بما فيها الأقل تقدماً، مازالوا متسمرين في حاكمية القرون الوسطى: حاكمية العقل الإلهي؛ ولم ينتقلوا بعد إلى حاكمية العصور الحديثة: حاكمية العقل البشري، الذي حل محل العقل الإلهي في كل شيء: في السياسة والاقتصاد والعلم والفن والأدب وحتى في الدين المُصلَح والمُعقلن أيضاً...إلخ. كل تطور، مهما كان جزئياً، نحو الانتقال إلى حاكمية العقل البشري، يثير هلع أقصى اليمين الإسلامي فيُسميه "السقوط في جاهلية القرن العشرين"، أو ترجمتها التونسية: "التصحر الديني"! عجزت هذه النخب عن تكييف الإسلام مع الحداثة، وهي مهمة ضرورية وممكنة بإصلاح الإسلام، فاستبدلتها بمهمة ليست ضرورية ولا ممكنة: أسلمة الحداثة.

أيمن الظواهري: الولاء والبراء هو دليل القاعدة الأوّل في جهادها المُعَولم

ومازال قطاعٌ من النخب والجمهور متسمراً في الولاء والبراء، الذي أسس له الإسلام المدني:

يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض. ومن يتولاهم منكم فإنه منهم (51، المائدة):

الولاء للمسلمين حصراً، وعداء اليهود والنصارى و "الكفار" عامة، أي عداء أشخاصهم، ومعبوداتهم، ومؤسساتهم، وعلومهم وقيمهم، وأنماط تفكيرهم وتدبيرهم. وهذا ما شكّل حتى الآن عائقاً دينياً وذهنياً، لتكيّف المسلمين مع ضرورات العالم الذي يعيشون فيه. الولاء والبراء هو، كما كتب أيمن الظواهري في كتابه، "فرسان تحت راية النّبي"، دليل القاعدة الأوّل في جهادها المُعَولم.جعل الولاء والبراء صادقة غير المسلمين والتعاون معهم مُخرجاً من الملة،مما جعله عائقاً دينياً وذهنياً يردع المسلمين عن الإندماج في حضارة عصرهم، التي أنتجها "أهل الكتاب"! ويردع شعورياً ولاشعورياً، المسلمين في مهاجرهم عن الاندماج في مجتمعاتهم. هذا الاندماج الذي من دونه لا مستقبل لهم: لا عمل، ولا سكن، ولا أسرة. بل تهميش وضياع، وتعاطي وبيع المخدرات، وجنوح وإرهاب!

فما العمل لإزالة هذا العائق؟

وسيلتان أساسيبتان لتكسير عائق الولاء والبراء:الأولى حوار الأديان التوحيدية والوثنية،الذي يحرمه ويجرمه شيوخ الولاء والبراء. رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقاً صرح في 2001 :لا معنى لحوار الأديان إلا بدعوة البابا للدخول في الإسلام؛والثانية هي تثقيف الجمهور الإسلامي بثقافة المشاركة العالمية لرفع التحديات الكونية،التي لا حل لها إلا في اطار دولي:نزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني،حماية البيئة،التصدي للإرهاب الإسلامي المعولم،وقف انتشار أسلحة الدمار الشامل،مكافحة الأوبئة العالمية والفقر والمجاعة في العالم.هذا التفكير الايجابي في المشاركة في حل مشاكل العالم،التي هي في الوقت ذاته،مشاكل كل بلد فيه،كفيل بكسر محرم الولاء والبراء الإنطوائي،أي الحامل للنرجسية الإثنية  أو النرجسية الدينية.

حروب محمد على يهود المدينة، والتنديد بهم وبالنصارى، في آيات القرآن المدني أسست لهذه الإنعزالية الإنتحارية. حتى أقل واجبات المجاملة الإنسانية واللياقة الدبلوماسية نهى القرآن عنها. كواجب العزاء في جار أو رئيس دولة غير مسلم: "فلا تأسى على القوم الكافرين" (68، المائدة). فضلاً عن آيات التحريض على مقاطعة "الكفار" وقتلهم: "واقتلوهم [= الكفار] حيث وجدتموهم"...لغسل دماغ المسلم لجعله يستسهل سياسياً ويستحل دينياً وأخلاقياً قتل "الكفار" خبط عشواء. وهو ما يجري أمام عيوننا.

"واقتلوهم حيث وجدتموهم": تفجير محطة الاوتوبيس في اسرائيل

رأينا ذلك في 11 سبتمبر 2001، وفي الإنتفاضة الثانية حيث كان استشهاديو حماس ينحرون وينتحرون في الإسرائيليين سواء أكانوا واقفين أمام محطة باص، أو مصطفين في الطابور للدخول إلى مرقص أو في مكدونالد...إلخ؛ ورأينا ذلك أيضاً في يهود المغرب سنة 2003، وبعد ذلك في كنيس الغريبة في جزيرة جربه التونسية؛ وفي مسلمي الجزائر "المرتدين".

استئصال قبائل يهود المدينة، ومصادرة املاكهم، وقتل جميع ذكور يهود بني قريظة البالغين. ثم تم بِيعُ نسائهم وأطفالهم في الحبشة! مأساة حقاً، مثلاً كيف تم التمييز بين الأطفال البالغين وغير البالغين؟ بتعريتهم لمعرفة ما إذا كان شعر العانة قد نبت أم لا. وكل من نبت شعر عانتهم سيقوا إلى المذبحة. طبعةٌ أولى من مذابح الكنيسة الكاثوليكية التفتيشيّة لهم.

هذا الإستئصال أسس للعقاب الجماعي، الذي ألغاه القرآن المكي: "ولا تزر وازة وزر أخرى"(15، الإسراء)، بإقراره فردية المسؤولية الجزائية، التي هي اليوم مبدأ في التشريع الجزائي العالمي؛ كما أسس لإضطهاد الأقليات في أرض الإسلام. وقد لا يكون قتل مليون أرمني في تركيا سنة 1915 إلا مجرد ريماك، إعادة تمثيل لفيلم قتل بني قريظة. مازال جمهور أقصى اليمين الإسلامي في العالم العربي يهدد اليهود المعاصرين بتكرار مذبحة يهود بني قريظة.

تحريم القانون

الوضعي ما زالت

عواقبهما الوخيمة

حاضرة في حياة

المسلمين اليوم

الشعار المركزي في مظاهرات الإخوان المسلمين في الأردن، لمساندة حماس: "خيبر، خيبر، يا يهود، جيش محمد سيعود". وعندما زار اسماعيل هنية تونس أستقبله جمهور الإسلاميين بنفس الشعار. حذرت نائبة إسلاميّة في المجلس التأسيسي بأن: "مصير جزيرة جربة التونسية سيكون كمصير فلسطين"، أي سيشتري أرضها اليهود. عدد الأقلية اليهودية في تونس أقل من 2000!

حتى التخييل الإكتئابي جعل الفقيه المعاصر عمران حسين، يستلهم مذبحة ذكور يهود بني قريظة، فيعيد صياغة حديث البخاري الشهير، عن قتل المسلم لآخر يهودي قبل نهاية العالم، في سيناريو نهاية وشيكة للعالم اليوم، تكون آخر وأقسى عقوبة لليهود الذين، يقول عمران حسين: عاقب الله اليهود أول مرة بالسبي البابلي؛ وعاقبهم مرة ثانية بالغزو الروماني وتدمير الهيكل وسيعاقبهم الآن للمرة الثالثة والأخيرة بقضاء جيش الإسلام عليهم حتى آخر يهودي! وتقوم القيامة.

أهل الذمة ،اليهود والنصارى، أوصت آية من القرآن المدني بضرورة إذلالهم: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"(29 التوبة)،إذلال أهل الذمة مسطور فيما سمي بـ"عهد عمر":

أن لا تعلو دورهم وكنائسهم، عن دور المسلمين وجوامعهم، وأن يركبوا الحمار إذا ركب المسلمون الحصان، وأن يرتدوا الثياب من لون خاص حتى يعرفهم المسلم، وليس على المسلم ان يبادرهم بالتحية ولا حق لهم في بناء كنائس جديدة أو ترميم ما تهدم منها...

سجل إسماعيل مظهر في السنوات 1930 صيغة كانت تكتب في عقود البيع بين المسلم والمسيحي: "باع الهالك ابن الهالك، جرجس مثلاً، لإبني ساكن الجنان، محمد مثلاً...".

قد لا يكون قتل مليون أرمني في تركيا سنة 1915 إلا مجرد ريماك لفيلم قتل بني قريظة

تحريم القانون الوضعي وحرية التعبير، اللذين أسس لهما القرآن المدني، مازالت عواقبهما الوخيمة حاضرة في حياة المسلمين اليوم: "والذين لا يحكمون بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"(44، المائدة). معنى ذلك أن القانون الوضعي لا شرعية له، وتطبيقه يؤدي إلى الكفر.

قتْل النبي، أحياناً شر قتل، الشعراء الذين انتقدوه أو شتموه، حوله أقصى اليمين الإسلامي إلى تشريع، في البلدان التي يحكمها، يحرم نقد الدين، أي البحث النقدي في الله، في الأنبياء، في نبي الإسلام أو في زوجاته أو في أصحابه. حرية التعبير والتفكير والبحث العلمي أصبحن انتهاكاً للمقدس. المادة 40 من الدستور المصري الإسلامي تحرم نقد الأديان. اقترح أقصى اليمين الإسلامي في تونس، إدخال تحريم نقد المقدس في الدستور. أعلنت الصحافة مؤخراً أن نصف الدستور الإسلامي الجديد منقول من الدستور الإيراني الحالي!

تحريم نقد الأديان، يحكم بالإعدام على تدريس الأديان الحديثة أو استخدامها. علوم الأديان قائمة على تمرير التأكيدات والأساطير الدينية على غربال النقد. وهكذا تصبح حرية التعبير، أم الحريات جميعاً، بين قوسين. تجريم النقاش الحر والنقد، يسد الباب أمام الحياة الفكرية والديمقراطية وحرية الإعلام. أقصى اليمين الإسلامي في تونس، يسمي الإعلام الحر: "إعلام العار"، لأنه ينتقد الحكومة الإسلامية؛ في مصر الإعلاميون يقدمون إلى القضاء كمجرمين بتهمة نقد الدين أو الرئيس.

حرية التعبير

والتفكير والبحث

العلمي أصبحن

انتهاكاً للمقدس

مشروع دستور الإخوان المسلمين، الذي قدموه في سنة 2011، شاهد بليغ على استمرار الإسلام المدني، بكل ثقافة الإنطواء على الذات، وثقافة كراهية اليهود والنصارى فضلاً عن المؤمنين بالديانات الوثنية، التي لا يعترف بها الإسلام، مخيراً المؤمنين بها بين اعتناق الإسلام أو القتل. إليكم مثلاً عيِّنة من مشروع هذا الدستور الخاصة بالسياسة الخارجية:

المادة 177: الإسلام هو المحور الذي تدور حوله السياسة الخارجية، وعلى أساسه تُبنى علاقة الدولة بجميع الدول،

المادة 178: (...) الدول التي ليس بيننا وبينها معاهدات، والدول الإستعمارية فعلاً كإنجلترا وأمريكا وفرنسا، والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، تعتبر دولاً محاربة (...) ولا يصح أن تنشأ معها علاقات دبلوماسية (...) الدول المحاربة فعلاً كإسرائيل مثلاُ، يجب أن تتخذ معها حالة الحرب أساساً لكافة التصرفات، ويمنع جميع رعاياها من دخول البلاد، وتستباح دماء غير المسلمين منهم.

وهكذا فصدى مذبحة يهود بني قريظة مازال يتردد بقوة!

اقترحتَ دين العقلانية الدينية كبديل عن إسلام المدينة. فما هي المبادئ الأساسية لهذا البديل؟

قدمتُ المبادئ الأساسية لدين العقلانية الدينية الإسلامية، وأعطيت خارطة طريق ميلادها في الطبعة الثانية من: "إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان". ورسمت في بحثي عن محمد بعض المعالم في طريق الوصول إليها.

في انتظار طوق النجاة

المَعْلَم الأول على طريق العقلانية الدينية، هو تأسيس دين العقلانية الدينية على 3 ركائز: التسليم بأن الأديان الأخرى التوحيدية والوثنية أيضاً، اللواتي لازال يؤمن بهن 56 % من سكان العالم، يمكن أن تكون طريقاً للخلاص الروحي للمؤمنين بهن، والقبول بالحوار معهن؛ التسليم بأن العقد الإجتماعي، أي الدستور يجب أن يكون علمانياً لدولة لجميع مواطنيها، مهما اختلفت دياناتهم وخصوصياتهم الأخرى؛ وأخيراً التسليم بأن المرجعية الشرعية الوحيدة للدولة هي مؤسسات وقوانين وقيم الحداثة العالمية ليس إلاّ.

المعلم الثاني على طريق العقلانية الدينية، هو ضرورة تبني الإسلام لحقوق الإنسان الأساسية، اللواتي لا يكون الإنسان حقاً إنسانا في غيابهن؛ سيكون نصف إنسان كالمرأة في الإسلام، أو ما تحت إنسان، كالعبد في الإسلام أيضاً. الرق مازال موجودا في بعض البلدان العربية والإسلامية...

حقوق الإنسان كونية، لأن العقل المنتج لهن كوني، نفس العقل المنتج للعلوم الكونية أي الصالحة لكل إنسان في أي مكان كان؛ فهذه الحقوق إذن تتعالى على الخصوصيات الثقافية كما يتعالى عليهن العقل. هذه الحقوق كونية لأنهن طبيعيات، أي من المفروض أن يتمتع بهن الإنسان بما هو إنسان، مهما كان دينه او جنسه...إلخ. فكل إنسان، بما هو إنسان، يتمتع بالضرورة بضمانات أساسية غير قابلة للتفريط؛ كالحق في الحرية، في الكرامة، في المساواة، في الأمن، في السلامة البدنية، في الحياة وأيضاً بحقوق إجتماعية مساوية للأولى في الأهمية، كالحق في العمل، في السكن وفي الملكية الخاصة...

المعلم الثالث على طريق العقلانية الدينية هو إصلاح التعليم: التعليم اليوم هو طوق النجاة لكل أمة. كل أمة في أرض الإسلام، مدعوة منذ الآن لتبني أرقى نظم التعليم، في أي بلد كان. العلم لا دين له، ولا قومية له، هو، كالعقل الذي ينتجه، كوني. هو ضالّة الإنسان المتعطش، لأرقى وأحدث أشكال المعرفة، يأخذها حيث وجدها. أفضل المناهج التعليمية اليوم، هي في الصين البوذية العلمانية وفي فنلندا المسيحية العلمانية، فلماذا لا نستعير منهما مناهج التعليم وطرق التدريس وكيفية تكوين المدرسين؟

حتى أقل واجبات

المجاملة الإنسانية

نهى القرآن عنها

التعليم المطلوب اليوم في أرض الإسلام، ليس التعليم، الذي يضمن للمسلم الحزين، مستقبله بعد موته، بل هو الذي يساعد المواطن على حل مشاكله، اليومية العملية، لتأمين مستقبله في حياته: عمل، مسكن وأسره. من دون هذه الأسس الأولية، لن يكون لأي أمة من أمم أرض الإسلام، لا المكان ولا المكانة المأمولين في عالم القرن الـ 21.

المَعْلَم الرابع على طريق العقلانية الدينية، هو تبني الإسلام للديمقراطية وثقافتها. فالإسلام مازال أمام الديمقراطية وثقافتها، يتراوح بين موقفين: التردد والرفض، كما يفعل أقصى اليمين الإسلامي، محتجاً بأن الديمقراطية هي انتقال من سيادة العقل الإلهي: سيادة الشريعة وفقهائها؛ إلى سيادة العقل البشري: الشعب السيّد وممثلية.

حاولت، كخلاصة للكتاب، أن أقدم بعض المقترحات المذكورة أعلاه، للوصول إلى دين العقلانية الدينية، كبديل عن الإسلام المدني، وإدخال الإيمان كرهان بسكالي على أنقاض إيمان "التصديق" الساذج والأعمى السلفي.


(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)