نبيل الحيدرى

إنّ قصة الإسراء والمعراج هى من القصص التى تثير الجدل كثيرا لما تحويه من  تناقضات واضطرابات وتهافت كبير فيما ينقله أصحابها من مختلف المشارب والمدارس. وردت فى القرآن عن قصة الإسراء: (سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا) 17-1.

كما جاءت عن المعراج قوله:

وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى  ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى. أفتمارونه على ما يرى. ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آياته الكبرى) سورة النجم.

معراج النبي محمد: من الخمسة لنظامي الكنجوي (1539-1543)

حار المفسرون والفقهاء والمتكلمون والمحدثون فى تأويل وتفسير الآيات السابقة لظاهرتى الإسراء والمعراج. هل كانت الظاهرتان جسدتين حقيقيتين؟ أم لا بل من خلال الروح فى اليقضة؟  أم المنام والرؤيا؟ أم غيرها ككون الإسراء فقط حقيقة دون المعراج؟ وهى أسئلة منطقية علمية موضوعية. هل يمكن رؤية الله بالعين؟ أم لايمكن رؤيته إطلاقا لا فى الدنيا ولا فى الآخرة؟  أم يجوز فى الآخرة دون الأولى؟ لقد نقلت لنا الأحاديث المروية:

أن الله أرسل جبريل ومعه البراق دابة، ابيض لونها فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه وهى الدابة التي كانت تحمل عليها الأنبياء قبله كما ورد....أناخ جبريل البراق للنبي وركب النبي البراق وطار من مكة فدخل إلى بيت المقدس محطته الثانية لكي يربط البراق في الحلقة التي كان الأنبياء يربطون فيها البراق قبله... ركز جبريل للنبي المعراج ليصعد به إلى فوق إلى السماوات العلى... يصعد فيرى نجوما مربوطة فيها سلاسل من ذهب... ذهب خالص... يقوده جبريل وله ستمائة جناح فاجتاز السماء الأولى وعلى كل ملك منها ملاك يحرسها حتى لا تعرج إليها الشياطين أو يستمع الجن إلى أسرار السماء فرأى فيها رجالا لهم مشافر كمشافر الإبل وكل بهم ملائكة يعذبونهم بصخور من نار يقذفونها في افواههم فتخرج من ادبارهم ورأى في غيرها عزرائيل ملاك الموت بلغ من ضخامته أن ما بين شفير عينيه مسيرة سبعن ألف يوم وكان يسجل في كتاب ضخم أسماء من يولدون و من يموتون ! و رأى في أخرى ملاكا ضخما نصفه من نار و نصفه من ثلج

ألتقي بكل الأنبياء قبله؛ منهم من كان في السماوات الدنيا، ومنهم من كان في العليا. تتحدث لنا الروايات مضامين مختلفة فيها أن النبي اجتمع بالأنبياء جميعا وصلى معهم... لا بل كان إمامهم وقائدهم. لقد صلى مع موسى وأبني الخالة يحيى وعيسى.... الخضر وإدريس وغيرهم. أما صالح صاحب الناقة لم يكن بينهم لماذا؟ لا أعرف.... دخل إلى عرش الله وسجد هناك ورأى أهوال النار.. واجهه الله مباشرة ليوحى إليه بفرض الصلاة، تذكر الأحاديث

فرض الله على أمة محمد خمسين صلاة في كل يوم وليلة.

رجع النبي بها حتى قابل موسى فقال له:

ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فان أمتك ضعيفة لا تطيق ذلك.

النبي يتردّد بين الله وموسى حتى خفف الله الفريضة إلى خمس صلوات.... أخيرا نزل النبي على المعراج منه ثم أمتطى البراق إلى مكة.

هل تأثر القرآن

بعقيدة اليهود

الموجودين

فى المدينة؟

قصة عجيبة غريبة أشبه ما تكون بقصص الخرافات وقصص ألف ليلة وليلة فيها أوصاف عجيبة لجبرئيل ثم  للبراق الذى أخذه بمعجزة فى الإسراء أولا من الكعبة إلى القدس ثم السموات. ولا أدرى كيف تربط النجوم بالسلاسل... ورؤية الملائكة المختلفين وأوصافهم. وأحيانا حوار النبى معهم ولقائه بالأنبياء المختلفين وحوارهم بل وصلاته بهم إماما للجميع وهم مأمومون مقتدون به. ثم ذهابه لرؤية الله نفسه دون جبرئيل الذى قال له ((لو تقدمت أنملة لاحترقت)). فذهب محمد لوحده خائفا وجلاً ليرى الله ويكلمه. وهنا أوحى الله له بالصلاة خمسين صلاة. ثم رجع لكن موسى من دون الأنبياء كان قد عرف الغيب بأن أمة محمد لاتتحمل خمسين صلاة. وهذا ما لم يكتشفه لامحمد ولا ربه نفسه الذى أرادها خمسين صلاة. وهكذا يصعد محمد وينزل لأن موسى أراد تخفيفها حتى وصلت خمسة. فقال محمد أنه يستحى أن يرجع إلى الله لتنقيصها أقل من ذلك حسب طلب موسى منه.

حوار محمد مع الله ورؤيته هو بحث مستقل. اعترض البعض على رؤية الله كونه ليس جسما محددا بالمكان حتى يرى. أو على العكس هو (على صورة آدم) كما جاء فى أحاديث عند السنة والشيعة. ثم الرؤية التى يفترضها البعض للمؤمنين فى الآخرة كما فى القرآن (وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة). مما يعنى إمكانية رؤية الله. وهذا يعارض قوله فى القرآن أيضا(ليس كمثله شئ) أو (لاتدركه الأبصار وهو يدركها) (الله نور السموات والأرض). أو كما جاء فى بعض الأحاديث التى تعد صحيحة عند البعض فى البخارى ومسلم أن أعظم نعمة للمؤمنين هى رؤية الله عيانا شهودا يوم القيامة.

جبرئيل من كتاب عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزویني

ولننظر إلى الآيات؛ (ولقد رآه عند سدرة المنتهى)، (ولقد رآه نزلة أخرى). السؤال عندئذ على من يعود الضمير؟ بعضهم يرجعها إلى الله كما يفعل ابن عباس وأنس بن مالك وابو هريرة والطبرى. وبعضهم يرجعها إلى جبرئيل فرؤية الله عندهم روحية (بروحه) كالزمخشرى وابن كثير ،وعائشة التى روت (لم ير محمد ربه) وأبى ذر القائل( سألت النبى فقال: وأَنّى لي برؤيته). وبعض يحار فيها مترددا غير جازم.

فى عقيدة اليهود ملَكٌ خاص هو (ميتاترون) يقوم بمثل تلك الأدوار، فهل تأثر القرآن بعقيدة اليهود الموجودين فى المدينة؟ أليست التوراة مصدرا قبل القرآن الذى اعتبرها نورا وهداية. القرآن يسميه (مطاع)  كما اعتبره الغزالى فى (مشكاة الأنوار) وغيره. إن الرسول رآه نزلة أخرى. أى عند النزول وليس عند الصعود إلى السماء. وهنا يكبر الإشكال عن الله ووجوده فى الأرض أو السماء أو بينهما. هل كان الله أم الملك؟

كما يتم السؤال عن الجنة ومكانها (جنة المأوى) وهل هى مخلوقة موجودة أم لم تخلق بعد! وعن النار وخلقتها وطبيعتها وموقعها. فى الحديث

نظرت إليه بقلبى لأطمئن أنى رأيته فرفع الحجاب وكان جالسا على عرشه

تذكرنا بالآية (استوى على العرش)، والسؤال  لماذا لم يره واقفا وما يعنى الإستواء وأمثاله من أوصاف الله وأفعاله وانعالاته الواردة فى القرآن:

دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، ما دلالته.

كأن الله قد أعطى

هؤلاء الفقهاء

تفويضا خاصا

إنه عالم اللغة واصطلاحاتها التى قد ندخلها فى بحث آخر عن البلاغة والبيان والإستعارة والكناية والمجاز وغيرها. وحوار محمد مع الله ودلالاته حيث يكشف أحيانا عن جهل الله بالأمور وعواقبها حتى جهل الله أن أمته غير قادرة على خمسين صلاة. بينما فطن لذلك موسى. والفقهاء يعدّون محمدا أفضل من موسى. لأنه خاتم النبيين ورسالته نسخت رسائلهم وهو حبيب الرحمن. كما أنّ إبراهيم أفضل من موسى. بسبب اختياره الله خليلا، وجعله أمة كاملة لوحده (إن إبراهيم كان أمة). وكذلك اكتمل اختباره ليكون إماما للعالمين جميعا:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماما.

وقد جاء فى القرآن ذكر رجل لعله الخضر، كان يعلم أكثر من موسى وينصح موسى ما لايعرفه فى مستقبل الأمور. بينما الله يأمره باتباعه. كما يذكر القرآن نفسه

فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معهى صبرا قال لاتؤاخذنى بما نسيت ولا ترهقنى من أمرى عسرا فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا. (سورة الكهف).

وهكذا يظهر أن الشخص الآخر (ربما هو الخضر كما فى الروايات) وهو ليس نبيا ولا رسولا كان أعلم من موسى. ولم يستطع موسى الصبر. وهذا يعارض ويناقض قصة المعراج نفسها فى أن موسى كان أعلم من الله ونبيه محمدا فى نفس المحور وهو عاقبة الأمور فى عدم تحمّل الأمة فى المستقبل لخمسين صلاة. ما ذا يعنى (ذو المعارج):

فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.

رؤية الله المباركة في لوح للرسام غوستاف دوريه

هناك خلط كبير عند المفسرين والمحدثين والمتكلمين والفقهاء بين الإسراء وبين المعراج. لأن الأول.  أفقى على الأرض والثانى عمودى فى السماء. كيف بكون اليوم يساوى خمسين ألف سنة؟ هل هنالك عدة معرج؟ وما هى وكيف كانت. كان موسى وإبراهيم هما آخر الأنبياء الذين التقاهم محمد لكن موسى كان أذكى من إبراهيم لماذا؟

إنها تذكرنا بقصة إبراهيم فى العهد القديم. كما تذكرنا بقصة المسيح نفسه حيث عرج إلى السماء. لكنه لم يعد إلى الأرض. بينما محمد عاد ورجع. ربما يصعب على الفقهاء المقارنة فى معراجيهما لأنه يسبب لهم الحرج فى المقارنة بين أفضليتهما. حتى أنّه لم يرد فى حديث واحد سؤال محمد عن معراج موسى ومقارنته بمعراج محمد، رغم كثرة الأحاديث المنقولة … لعل عيسى عاد إلى الله فالتحق به بما هو أشبه بالإندماج والحلول كما يراه البعض. بينما محمد عاد إلى الأرض، ومحمد له أب وأم عاديتان، بينما المسيح أمه مريم:

يامريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين

كما فى القرآن نفسه فهى أفضل من آمنة بنت وهب أم محمد. وأما  والد عيسى فهو المعجزة كما يراها القرآن نفسه حيث لا أب له. فى القرآن ورد مرتين (بل رفعه الله إليه) 4-138 & 3-55. كما يرى القرآن خلافا للأناجيل ما قتلوه وما صلبوهبينما الصلب ثابت عند المسيحية.

ثم الغريب فى المعراج أيضا هو ذهاب محمد إلى الجنة والنار ليحاور أصحابها، وما الذى أدخلهم فيها. وكيف تحول بعضهم من أحدهما إلى الآخر. مما يتعارض مع الكثير من العقائد المتداولة فيما يطرحه الفقهاء الذين يشترطون الإسلام والإيمان وغيرهما لدخول الجنة. فى المعراج رأى النبى فى الجنة الكفار والمشركين واليهود والنصارى. وسأل بعضهم ليجيبه أنهم أطعم كلبا أو ما شابهه من الإحسان والمعروف البسيط كما روى ذلك. وعندها لتذهب اشتراطات الفقهاء لدخول الجنة سدى وكأن الله قد أعطى هؤلاء الفقهاء تفويضا خاصا وصكوكا بيضاء فيمن يدخلوه الجنة أو النار، هذا إذا دخلوا الجنة أنفسهم.