طارق حجي

بدأ إهتمامي بالإسلامِ السياسي منذ قضيةِ الإخوانى الشهير سيد قطب سنة 1965 ، وتصاعد هذا الإهتمامُ مع ظهورِهم على مسرحِ الأحداثِ في مصَر منذ بدايةِ سبعينيات القرن الماضي. وخلال أربعين سنة طالعتُ جلَ أدبياتِ الإسلامِ السياسي كما تابعتُ حركاتِ الإسلام السياسي المنبثقة جميعُها من تيارِ الإخوان المسلمين ، كما انخرطتُ في حواراتٍ مطولةٍ مع العديدِ من قادة وأتباع هذه التيارات.

وفي هذا المقال أحاولُ أن أوجز للقارئ خلاصةَ حواراتِ أربعة عقود مع هؤلاء القادةِ والأتباعِ حول عددٍ من الأمورِ الرئيسةِ. يؤمن كلُ الإسلاميون (بدون إستثناء) بمفهومِ الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر ولا يرى أيٌّ منهم ان قيامَ المواطنِ أو أية جهةٍ غير الدولةِ بمهمةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر هو أمرٌ ضد فكرة ومفهوم الدولة الحديثة. فالإسلامي يؤمن أن من حقِه إتخاذ إجراء (يحدده هو!) ضد إمرأة تسبح في البحر بمايوه عصري ، ويؤمن بأن من حقه لو رأى شخصاً يُعبر عن آراءٍ هي (في نظره) معارضة للدين أن يتخذ ضده إجراءاتٍ من شأنها أن توقفه عما يقوم به. وبإختصارٍ، فإن الإسلاميين لا يرون في قيام أي مسلم بإجراء ضد ما يراه منافياً لأوامر الدين تعارضاً مع مفهوم الدولة الحديثة ومفهوم القانون المعاصر. ولا أدل على ذلك من ان رجلَ دينٍ مصرىٍّ شهيرٍ ( م. أ )  ذهب لمحاكمةِ قاتلِ المفكرِ المصري فرج فودة وقال ما معناه ان القاتلَ قد قام بما قام لان الدولةَ لم تقم به.

نجيبُ محفوظ: روايته "تسوغ قتله"

بينما وصلت الانسانيةُ في سائر المجتمعاتِ المتمدنةِ والمتقدمةِ لكفالةِ حرية الاعتقاد بمعنى حرية الانسان في أن يؤمن (أو لا يؤمن) بما يشاء ويختار ، فإن معظم الاسلاميين في عالمنا اليوم لا يقبلون هذا المفهوم في شكله المطلق ويؤمنون بوجوب تطبيق عقوبة الاعدام على من يترك دينه في حالات  تخلي المسلم عن الايمان بالاسلام. علماً بأنهم جميعاً يجيزون تحول أتباعِ أي دينٍ للإسلام.

بعد سنوات قليلة من فوزه بجائزة نوبل للأدبِ (في 1988) تعرض روائي مصر المعروف نجيبُ محفوظ لمحاولةِ إغتيالٍ عندما قام إسلامي بمحاولةِ ذبحه وتمكن بالفعلِ من قطع عدة أوردة وشرايين وأعصاب بعنق نجيب محفوظ. ومن يومها وحتى الآن ، فلا يوجد إسلامي واحد تحدثت معه عن محاولة إغتيال نجيب محفوظ إلا وكان رأيه أن رواية "أولاد حارتنا" التي كتبها نجيب محفوظ في سنة 1957 تسوغ قتله. ورأى الاسلاميين في نجيب محفوظ هو نفس رأيهم في عميد الادب العربي "طه حسين" (1889/1973) بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي" [1]. والمعنى واضح وهو أن لحريةِ الفكرِ سقف منخفضة جداً عند الإسلاميين ، ويكون "الاعدام" هو عقوبة من يتجاوز الحد.

لحريةِ الفكرِ سقف

منخفضة جداً

عند الإسلاميين

خلال أربعين سنة من دراسةِ الاسلامِ السياسي لم أقرأ في أي كتابٍ ولم أسمع من أي إسلامي ( وقد حاورت المئات منهم) أي قبول لاصدار الدولة الحديثة (في المجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية) لتشريعاتٍ لتنظيم الزواج والطلاق تقوم على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة وتحرم (وتجرم) زواج الرجل من أكثر من إمرأة واحدة أو تعطي المرأة حق إنهاء العلاقة الزوجية مثل الرجل أو تسمح بإقتسام مجموع ثروة الطرفين عند وقوع الطلاق ، أو تعيد النظر في قواعد المواريث على أساس إنها كانت مناسبة لوضعياتٍ إجتماعيةٍ قبليةٍ لم يعد لها وجود في حياتنا المعاصرة.

معظم الإسلاميين يحرمون الرسم وخاصة رسمَ الشخوص. وحتى القلة التي لا تذهب لتحريمِ الرسمِ فإنها لا تهتم به. ولو كانت الأموُر بيدِ هؤلاء لما كان للرسم وللرساميين ولمتاحف الرسم ولدروس الرسم في المدارس وجود أو لأصبح وجودهم هامشياً. وبديهي ان رسم المرأة عند معظم الاسلاميين مرفوض. وانهم لو كان الأمر بيدهم لحطموا كل تراث الانسانية من لوحات رسم فيها الفنانون نساءً.

طه حسين: عميد الادب العربي وهدف للإسلاميين بسبب كتابه "في الشعر الجاهلي"

الغناءُ بوجهٍ عامٍ غير مستحب عند معظم الاسلاميين. وهناك من يحرمه كلية. وهناك من يصل لنفسِ الغايةِ عن طريق تكراره لهذه المقولة : لو كان الغناءُ يمجد اللَّه ومخلوقاته ويمتدح دينه وشرائعه فهو "حلال" وبالتالي "مباح". أما إذا كانت كلماتُ الاغاني عن الحب  والغرام والشوق. والمحبوبة فهو (يقيناً) "حرام" و"غير مباح". ومن أسخف ما يقوله قادةُ الاسلاميين ما كرره قائدٌ إخواني مصريٌّ مؤخراً عندما قال: عندما يغني عبد الوهاب "أخي جاوز الظالمون المدى" فهذا غناء مباح ، ولكنه إذا غنى "جفنه علم الغزل" فهذا غناء محرم ولا يباح. وهو كلام شديد السخف والتخلف. وأخطر ما في الأمر هنا وجود سلطة ثيروقراطية فوق الابداع الفني تحدد ما هو "مباح" وما هو "غير مباح". وجدير بالذكر أن الاسلاميين كانوا وراء مصادرة كتاب "النبي" لجبران خليل جبران لمجردِ وجودِ رسوماتٍ (إسكتشات) بريشةِ جبران نفسِه ضمن نص الكتاب.

سألت عشرات (وربما مئات) الاسلاميين: "لو حدث ما تؤمنون به واكتسح الاسلامُ العالمَ فهل ستحتفظون بآلافِ اللوحاتِ والتماثيل لأشخاصٍ (رجال ونساء) عراة أو شبه عراة في متاحف العالم من اللوفر للمتحف البريطاني للمتروبوليتان... وكانت الاجابة (بدون إستثناء) : لا. فلا يمكن لحاكم مسلم ان يبقى على مثل هكذا "عهر"!!

فنُ النحت مرفوضٌ كليةً عند الاسلاميين  ولاسيما التماثيل التي تصور رجلاً أو إمرأة. ولو كان الأمر بيد الاسلاميين لأمروا بتحطيم تماثيل مايكل أَنجلو وغيره من عظماء فن النحت الذين تجلهم الإنسانيةُ المتحضرةُ.

اعترض كلُ الاسلاميين من اندونسيا إلى موريتانيا على تبني الأمم المتحدة لمشروع يرفض تعنيف النساء لأى سبب وبأي مبرر. وأصر الاسلاميون على ان ذلك يخالف الشريعةَ الاسلامية! وقال كثيرون منهم أن منع تعنيفِ الرجال للنساء يؤدى لهدمِ الأسرةِ!

مدام كوري التي حصلت على جائزة نوبل - هل هي ايضا "ناقصة عقل"؟

قرابة 99% من الاسلاميين يرفضون ان تصل سيدةٌ لرئاسة الدولة. ومعظمهم يكرر ان سندَه هو الحديثُ القائل بأن المرأةَ ناقصةٌ عقل ودين والحديث الذي يتوعد بالهلاك أية جماعة بشرية تقبل ان تتولى أمرها سيدةٌ. وكثيراً ما كنت أقول لمحاوري : ان مدام كوري حصلت على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع زوجها ثم حصلت عليها مرة ثانية بمفردها كما انها أنشأت ابنةً لها حصلت هي أيضاً على جائزة نوبل في العلوم. وكنت اتساءل :  هل مدام كوري أيضاً ناقصة عقل ؟؟! وهل هناك شيخ واحد بين هيئات كبار رجال الدين الاسلامي في أية دولة ذات أغلبية مسلمة يرقى لمكانة ومقام مدام كوري؟!

يؤمن الاسلاميون بأن شهادةَ المرأةِ تعادل شهادة "نصف رجل". كما يؤمن كثيرٌ من الاسلاميين المتأثرين بفتاوى ابن تيمية بأن شهادةَ غيرِ المسلمِ على المسلم لا يؤخذ بها. وبالتالي ، فإذا دخل مسلمٌ كنيسةً وقتل العشراَت، فإن شهادةَ المسيحيين بالكنيسة لا وزن ولا مصداقية لها!

كلُ الإسلاميين يشتركون في إعتبارهم ان الإختلاط بين الرجال والنساء هو أسُ البلاءِ ومصدرُ كلِ الشرور. وهم جميعاً يقولون بوجوبِ فصلِ الجنسين في المدارس والجامعات وأماكن العمل. وهو موقفٌ شديدُ التخلفِ وشديدُ الإحتقارِ للمرأةِ التي لا يراها الإسلامي إلاَّ كشئٍ مثيرٍ لغرائز الرجل وكأدة انجابٍ ووسيلةٍ لمتعته وخدمته! ومعلوم أن المؤسسة الدينية الوهابية في السعودية تقول ان المجتمعَ المسلم يقوم على أساسيين هما: تطبيق الشريعة ومنع الاختلاط.

قال كثيرون منهم

أن منع تعنيفِ

الرجال للنساء

يؤدى لهدمِ الأسرةِ

السواُد الأعظم من غير المسلمين لا يعرفون أن فقهاءَ كلِ التياراتِ والطوائفِ والمللِ الاسلامية لا يعتبرون ان من حق المرأة "عدم ممارسة العلاقة الخاصة مع زوجها" لأي سببٍ كأن تكون مرهقةً او في حالةٍ نفسيةٍ تتنافى مع حدوث هذه العلاقة. بل ان معظم الفقهاء قالوها صراحة: انه بينما يحق للزوجة ان ترفض القيامَ باعمالِ المنزلِ وبإعدادِ الطعام وبإرضاع الأطفال ، فإنه لا يحق لها ان ترفض حدوث العلاقة الخاصة كلما أراد الزوجُ! بل واتجه كثيرون من هؤلاء لتأثيم هذا الرفض من قبل الزوجة بشكلٍ كبيرٍ اذ اجمعوا على ان ملائكة السماواتِ (السبع!) تظل تلعن الزوجةَ التي أبت حدوث هذه العلاقة طيلة الليلة التي ابت فيها المرأةُ أن يجامعها زوجُها!

القول بان قوانيين المواريث الواردة في القرآن هي ترجمة لحقائق اجتماعية لم تعد موجودة. وبالتالي فالقول بأن المنطق يحتم إعادة النظر في كون حصة الرجل هي ضعف حصة المرأة امراً يتصادم مع الحقائقِ المجتمعيةِ الآنية هو قول مرفوض من "كل" وليس من "معظم" الاسلاميين.

ظاهرة التحرشُ في مصر: المرأة هي "المسئولُ الأولُ" حسب الإسلاميين

هل يجوز للنساءِ ممارسة الرياضة والمشاركة في المسابقات الرياضية العالمية؟... كان هذا سؤال وجهته لعشرات (بل مئات) الاسلاميين وكانت الاجابة دائماً وبلا إختلاف: "نعم ، ولكن بشرط إرتدائهن للملابس الاسلامية التي لا تظهر من المرأةِ إلا الوجه والقدمين والكفين وبشرط عدم إختلاطهن بالرجال!" وكان كثيرون يقولون: "والأفضل هو ابتعاد النساء عن هذا المجال كلية!"

مصرُ من أكثر المجتمعات التي شاع فيها تحرشُ الرجالِ بالنساءِ. وهو تحرشٌ بعضه "بالكلامِ" ومعظمه "باليدِ". وفي حواراتي مع عشرات (بل مئات) الاسلاميين كان الرأى الذي يكرره معظم الاسلاميين هو أن "المرأة" هي المسئولُ الأولُ (وربما الوحيد) عن كل وقائع التحرش. فلو انها ارتدت "ملابساً إسلامية" أو (وهو الافضل) بقت في البيت لقل  التحرش. ومن المستحيل إقناع الاسلاميين ان مصدر التحرش هو ما سميته في أكثر من مقال لي ب"الرجل الذئب" الذي لا يري في المرأة الإ فريسة لرغباته وهدفاً لغرائزه. وان "تربية الرجال" وليس "تخبئة النساء" هو الأمر الواجب في هذا المجال ، وان الرجل الذي يتحرش بأمرأة هو انسان غير سوى عقلياً وثقافياً وتربوياً ونفسياً.

هو موقفٌ شديدُ

التخلفِ وشديدُ

الإحتقارِ للمرأةِ

سئَلتُ أكثر من مائة إسلامي جلهم من قادة تيارات الاسلام السياسي وتيارات السلفيين والجهاديين عن رأيهم في رحلة للفضاء تضم رجلاً وإمرأة  فكانت الإجابةُ المتكررة : "حرام ولا يجوز إلا اذا  كانا متزوجين! وان تكون رائدة الفضاء محجبة لان رجالاً "قد" يرونها!"

سأَلتُ خلال أكثر من أربعين سنة عشرات (وربما مئات) الاسلاميين: "هل حياة امرأة ايطالية مثل الأم تريزة التي وهبت حياتها لخدمةِ البسطاءِ والمرضى والفقراءِ في الهند هي حياة مثالية وفاضلة ونبيلة في رأيكم؟!" وكانت الاجابة دائماً: "ليس بشكلٍ كاملٍ بل ان حياتها كان ينقصها ان تعتنق الاسلام. ولن يشفع كل ما قامت به لدخول الجنة!" وهي إجابة تعني الكثير فيما يتعلق بعلاقةِ عقلِ الاسلاميين بقيم مثل التعددية وقبول الآخر والنسبية والموضوعية.

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)

 

[1] انظر مقالة المصلح التالية: طه حسين مثال للصراع بين الأصولية و العلمانية