نبيل الحيدرى

يعتقد البعض أن الشريعة الإسلامية هى شريعة إلهية ثابتة لاتتغير بمرور الزمان واختلاف المكان وتبدل الظروف فالصلاة ثابتة والصوم ثابت … وقد استدل الفقهاء بأدلة كثيرة منها نقلية كأحاديث وروايات مثل (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة) وغيرها.

وكذلك أدلة اعتبروها عقلية أن الله لايغير رأيه كالبشر لأن الإنسان يجهل ويخطئ ولايعرف الغيب بينما الله هو الخالق الذى يعرف كل الأمور ظاهرها وباطنها ومستقبلها ومآلها... فيخلص الفقهاء إلى نتيجة أن حكم الشريعة هو  الثابت من القرآن والسنة النبوية ومنها تنطلق دعوات تطبيق الشريعة.

لو كانت شريعة

الله ثابتة فكيف

تغيرت شرائعه عند

أنبيائه المختلفين

ويمكن المناقشة فى جميع الأدلة العقلية والنقلية فأما القرآن فقد خضع للتأويل والتفسير حسب المذاهب العقلية والفقهية والكلامية والفلسفية المختلفة وأما الأحاديث فما أكثر الموضوع والمكذوب والمختلف والمتعارض وقد بات الحديث الأوحد فى تواتره دليلا على ذلك وهو قول النبى (لقد كثر الكذابة على فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) هذا فى حياته فكيف بعد 1400 عام ويكفى أن مسلم يقول فى بداية صحيحه حفظ ألف ألف حديث، بينما لم  ينقلوا جملة واحدة من خطب النبى لمدة 10 سنوات كاملة يقودها النبى وحده فى المدينة. فالموجود فى الساحة هو شريعة الفقهاء وفهمهم وتأويلاتهم المتعارضة حسب مذاهبهم واتجاهاتهم المختلفة والمتعارضة.

ولو كانت شريعة الله ثابتة كما يزعمون، فكيف تغيرت شرائعه عند أنبيائه المختلفين إبراهيم وموسى وداود وعيسى ومحمد فى الصحف والزبور والتوراة والإنجيل والقرآن. بل كيف كانت آيات القرآن نفسه من المدينة فى الحدود والقصاص والأرث والإماء والعبيد والواجبات والحقوق والآيات الطوال وتبدأ بيا أيها الذين آمنوا إذ كان النبى يحكم ويجرى المعاهدات والوثائق والتشريعات مثل (الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله) سورة24- الآية2.

مسجد "ذو القبلتين": نموذج معماري من ظاهرة النسخ

فهى إذن تفرق جوهريا عن آيات مكة العامة وأكثرها قصارا وفيها كرامة الناس وتساويهم مثل (ولقد كرمنا بنى آدم) و(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وخطابات للناس جميعا تبدأ ب (يا أيها الناس)… بل كيف نسخت آيات وأحكام من القرآن نفسه فيما يأتى متأخرا زمانا فينسخه مثل القبلة التى كانت إلى بيت المقدس فى المراحل الأولى للرسالة الإسلامية ثم تحولت إلى الكعبة فى المدينة لاحقا ونزلت فيها آيات منها (قد نرى تقلّب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها) السورة2- الآية144، وهنالك مسجد لازال موجودا فى المدينة ضمن ما يعرف بالمساجد السبعة التى يقصدها الحاجون والمعتمرون، يسمى المسجد ب(ذى القبلتين) حيث صلى النبى أولا إلى بيت المقدس ثم تحول إلى الكعبة وفى روايات أن جبرئيل جاء وحركه نحو الكعبة وعندها صار الواجب حراما إذ يحرم التوجه بعد ذلك إلى بيت المقدس عند الصلاة وتكون باطلة.

وقد نسخت آيات أخرى وأحكامها مثلا (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة)سورة 58-الآية12 التى توجب الصدقة كلما ناجى أحد الرسول فأشفقوا وصعب الأمر عليهم ونسخت بقوله (ءأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقات) سورة58 -الآية13. كما يقصّ القرآن علينا تبدل النكليف الإلهى فى قصة ذبح إبراهيم لولده (يا بنى إنى أرى فى المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين) سورة 37-الآية 102-105، فيما يظهر تبدل التكليف من قتل ولده البرئ بلا ذنب إلى فدائه بالكبش فيما يفسر بالذبح فى قصة الحج حيث يوجبون على كل حاج محاكاة لقصة إبراهيم.

أعتقد أن النسخ

لازال مستمرا ما

دامت الحياة البشرية

وتكامل العقل البشرى

إن مبدأ النسخ موجود فى القرآن نفسه وقوله (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)السورة2- الآية106،كما جاءت آية قريبة (وإذا بدّلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل) السورة16- الآية101، وكذلك قوله (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) السورة13- الآية39. وقد حاروا وداروا فى تفسيرها وتأويلها لكن الأصل هو صراحة نسخ الآيات القرآنية فصار مبحث النسخ فى علوم القرآن، ثم اختلفوا ماذا ينسخ الآيات هل الآيات فقط كالأمثلة السابقة أم الأحاديث أيضا مثل نسخ زواج المتعة المؤقت فى الآية (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة) سورة4- الآية24، بالأحاديث عن النبى بعد خيبر أو النسخ عن أبى بكر أو عمر بن الخطاب  وقوله (متعتان كانتا على عهد رسول الله وعلى عهد الخليفة الأول وأنا الآن أحرمهما وأعاقب عليهما) حيث باتت حراما عند السنة وحلالا عند الشيعة فى رواياتهم الكثيرة، أم ينسخه غير ذلك كما أعتقده وهو بحث يطول بحثه.

القبلة: كانت إلى بيت المقدس فى المراحل الأولى للرسالة الإسلامية ثم تحولت إلى الكعبة فى المدينة

وهى أشبه بعقيدة البداء عند الشيعة الإمامية الإثنى عشرية فى الإمامة المنصوبة إلهيا حيث كان الإمام هو أكبر الأولاد سنا بينما بعد جعفر الصادق لم يكن موسى الكاظم عند الإمامية الإثنى عشرية، هو الولد الأكبر لذلك انقسم الشيعة بعد الصادق إلى الفطحية أتباع عبد الله الأفطح ابن جعفر الصادق ثم الإسماعيلية أتباع إسماعيل بن جعفر الصادق وهى فرقة مهمة وكبيرة فى العالم  بينما الإثناعشرية اتبعوا موسى الكاظم أصغرهم بناءا على عقيدة البداء حتى ورد عنهم روايات عن أئمتهم مثل عن الصادق (ما بدا لله كما بدا له فى إسماعيل إبنى)  (ما عبد الله بمثل ما عبد فى البداء)  مع الإختلاف بين التشريع فى النسخ والتكوين فى البداء. ولم يفرقوا بين التشريع فى أحكام العبادات كالصلاة والصوم التى تعتمد على النبى لا العقل فى كيفيتها وبين المعاملات والمسائل الإجتماعية والسياسية والإدارية التى تخضع للتجربة البشرية والظروف والشرائط المختلفة.

وأعتقد أن النسخ لازال مستمرا ما دامت الحياة البشرية وتكامل العقل البشرى مثلا إن امتلاك الإماء والعبيد أمر مشروع فى القرآن والسيرة وقد شرعت الإماء بطرق متعددة منها الأسر لغير المسلمين فى الحروب وشراء الجوارى من الأسواق وقبول هدايا لنساء غير مسلمات فيكن إماء عند المهدى له … وأما عند الشيعة واعتقادهم بعصمة الأئمة فإن للأئمة إماء حتى الحسن العسكرى حيث تزوج أمة وقيل أن المهدى المنتظر أُمُّهُ أمَةٌ فقيل أنها من الروم وقيل من الفرس، أى أن الإماء مسألة مقبولة عندهم ولم تنسخ دينيا ولكن المدنية الحديثة والعقل البشرى المتحضر يرفض استغلال الإنسان مهما كان لونه أو جنسه أو عقيدته لاستعباده مما أجبر هذا الواقع لرفض الإماء والعبيد  واستعباد الإنسان، ومن يقبل لنفسه أن يكون عبدا قنّاً لغيره لايملك من أمره شيئا.