هاشم صالح

قد يستغرب القاريئ اذا ما سمع اركون يقول له بان تدوين التراث العربي الاسلامي لم يبتديئ فعلا الا في العصر العباسي: أي بعد قرن ونصف على الأقل من ظهور الاسلام. وهذا يعني ان الكتابات الصحيحة الموثوقة التي دونت ابان الفترة الاموية نادرة على عكس ما نظن ومتقطعة. وسبب ذلك يعود الى شيئين: الاول تقني والثاني سياسي. فبالنسبة للتقني ينبغي العلم بان العرب لم يكونوا قد اكتشفوا الورق بعد.

والكتابة على سعف النخيل او عظام الجمال وسواها من المواد البدائية ليست عملية سهلة. يضاف الى ذلك ان اللغة العربية لم تكن قد استكملت أدواتها بعد لكي تصبح لغة كتابة بالفعل. كان يلزمها حل مشكلة التنقيط للتمييز بين الحروف المتشابهة كالباء والتاء والثاء وسواها من جملة مشاكل اخرى. وهي أشياء لم تحل فورا وانما على مراحل، الشيئ الذي تطلب مرور بعض الوقت،بل والكثير من الوقت. اما الأسباب السياسية لقلة الوثائق الموثوقة التي وصلتنا عن العصر الاموي فتعود الى عداء العباسيين لهم ومحاولتهم طمس كل آثارهم. وقد نجحوا الى حد كبير في ذلك بعد ان تغلبوا عليهم وأسقطوا حكمهم وشردوهم في الأمصار. وهذا ما يفعله الغالب عادة مع المغلوب. فالتاريخ، كما هو معلوم، يكتبه المنتصرون لا المهزومون.

محمد أركون: ان الكتابات الصحيحة الموثوقة التي دونت ابان الفترة الاموية نادرة

ونظرا لذلك فلا نستطيع ان نطلق أي حكم على الأهمية التي اتخذها مفهوم "الأصل" في المناقشات العقائدية ابان العهد الاموي. ومعلوم أن مفهوم الأصولية مشتق منه. ولم يكن في البداية ذا معنى سلبي كما هو عليه الحال الآن. على العكس كان معناه ايجابيا وتأسيسيا. أما اليوم فقد أصبح مجرد تقليد للقدماء وانغلاق في الماضي وعودة الى الوراء. ولكن حتى ولو لم يتلق علم الاصول بلورته المكتوبة الا على يد الشافعي ايام العباسيين الاوائل فانه يمكننا ان نوافق على الرأي القائل بان القرآن ثم الحديث من بعده بفترة وجيزة قد فرضا نفسيهما على كل المسلمين بصفتهما المصدرين الأساسيين للدين والتشريع.

انهما يشكلان الأصول التأسيسية للاسلام. وهذا ما يدعى الآن بالكتاب والسنة. ولكن الفقهاء والقضاة الأوائل كانوا يشغلون عقلهم أيضا في اطلاق الفتاوى والأحكام:أي يعتمدون على الرأي الشخصي وليس فقط على الكتاب والسنة. بمعنى آخر فانهم كانوا يمارسون ضمنيا نوعا من القياس الاقل صرامة والاكثر حرية من ذلك الذي سيحدده الشافعي لاحقا. ومعلوم أنه هو مؤسس علم الأصول في الاسلام أو أحد مؤسسيه الكبار.

ويرى اركون في دراساته عن أصول الفكر العربي الإسلامي ان البحث عن الاحكام الشرعية المطبقة على العلاقات بين البشر، أي ما يدعى بالمعاملات، لا يمكن فصله عن البحث ذي الجوهر اللاهوتي المتعلق بطبيعة العلاقات التي ينبغي ان تكون بين الانسان والله. وهكذا في الوقت الذي راح يتبلور فيه علم اصول الفقه راح يتبلور علم آخر مجاور لا يقل اهمية ان لم يزد هو: علم اصول الدين. وقد راح يتبلور شيئا فشيئا من خلال المجادلات العنيفة التي حصلت بين مختلف الفرق الاسلامية المتصارعة بدءا من عام 40 للهجرة/  661 ميلادية: أي بعد وفاة النبي بثلاثين سنة فقط وبدءا من الخلافة الأموية. وقد دارت هذه المعارك اللاهوتية أساسا حول مكانة المؤمن/ والمذنب، او المؤمن/والفاسق بحسب تعبير ذلك الزمان، وكذلك حول مكانة المؤمن/والكافر. وبالتالي فالصراعات اللاهوتية ابتدأت منذ عهد الأمويين بين الفرق الاسلامية المختلفة كالقدرية، والجبرية، والشيعة، والخوارج، والسنة. وهذه المناقشات الحادة والعنيفة بين المسلمين بمختلف تياراتهم وفرقهم جعلت بعض الصعوبات النظرية الكبرى تنبثق لأول مرة. وهي نفس الصعوبات التي سيصطدم بها الفكر اللاهوتي والفلسفي العربي الإسلامي لاحقا في القرنين الثالث والرابع للهجرة بعد الأمويين بزمن طويل.

لا يمكن فهم ما

يحصل حاليا ان

لم نعد الى ذلك

الماضي البعيد

وبالتالي فالتكفير بين المسلمين ابتدأ منذ ذلك الوقت ولا يزال سلاحا فعالا يمارس ضد الخصوم السياسيين حتى يومنا هذا. انظر كيف يكفر الزرقاوي والسلفيون المتشددون كل الطوائف الاسلامية الأخرى وبخاصة الشيعة في العراق وغير العراق[1]. بل وحتى القرضاوي فانه يكفر بعض الفرق والمذاهب الاسلامية. ولا يمكن فهم ما يحصل حاليا ان لم نعد الى ذلك الماضي البعيد لان أصل المشكلة يعود الى القرون الاولى. ولم تجد لها حلا معقولا حتى الان لانه لم يستطع أحد تشخيصها بالعمق الكافي حتى هذه اللحظة.

هنا تكمن عظمة المنهجية التي يتبعها اركون: انها تشمل كل تاريخ الاسلام دفعة واحدة وتضيئ الماضي عن طريق الحاضر والحاضر عن طريق الماضي. وهذا هو معنى المنهجية التقدمية – التراجعية التي بلورها أو اخترعها. وفي ذات الوقت فان هذه المنهجية تفكك كل العقائد التقليدية الموروثة عن طريق اثبات تاريخيتها ونزع القدسية والمشروعية الالهية عنها. فهي بشرية وليست سماوية على عكس ما نظن، بل وبشرية اكثر من اللزوم كما يقول نيتشه.. ولكن تراكمات الزمن غطت عليها فأوهمت جمهور المسلمين بقدسيتها. بهذا المعنى فان التكفير من أي جهة جاء لا مشروعية دينية له وانما هو مرتبط بظروف سياسية يمكن تحديدها بدقة.

لهذا السبب فان اركون يلح كثيرا على استخدام المنهجية الجنيالوجية على طريقة نيتشه الذي نبش بكل عبقرية عن الجذور الاولى للعقائد المسيحية وكشف عن تاريخيتها وبشريتها وفضح قدسيتها المزعومة ولا تاريخيتها. كما ويلح "صاحب نقد العقل الإسلامي" على المنهجية الاركيولوجية التي طالما استخدمها ميشيل فوكو لكشف تاريخية  مؤسسات ومفاهيم الحداثة ذاتها.

فيرنان بروديل: ضرورة موضعة مشاكل الحاضر ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ

وهي تكملة لمنهجية نيتشه الجنيالوجية لان فوكو ما هو الا تلميذ لنيتشه في نهاية المطاف. وهي نفسها منهجية مدرسة الحوليات الفرنسية كما بلورها لوسيان فيفر ومارك بلوك وفيرنان بروديل الذي تحدث عن ضرورة موضعة مشاكل الحاضر ضمن منظور المدة الطويلة للتاريخ لكي نفهمها على حقيقتها. فالخلافات التي لاتزال مستمرة بين المذاهب الاسلامية الاساسية من شيعية وسنية واباضية لا يمكن فهمها الا اذا موضعناها ضمن شريحة زمنية واسعة جدا تشمل كل تاريخ الاسلام تقريبا او قل كل الفترة التي تلت موت النبي وحتى اليوم[2].

وذلك لان الاسلام في زمن النبي لم يكن سنيا ولا شيعيا ولا اباضيا خارجيا وانما كان فقط اسلاما أوليا لم ينقسم بعد الى فرق ومذاهب. ولن ينقسم المسلمون الى فرق متناحرة الا بعد موت النبي المؤسس كما يحصل لكل الحركات الفكرية او الايديولوجية الكبرى في التاريخ. انظر الانقسامات داخل المسيحية مثلا بين الكاثوليك والارثوذكس والبروتستانت. فهو يشبه الانقسام داخل الاسلام بين الطوائف الثلاث: السنة والشيعة والخوارج.

ولكن نسينا ان نتحدث عن المعتزلة التي تشكل احدى الفرق الاسلامية الكبرى وان كانت قد انقرضت لاحقا بسبب المحاربة والاضطهاد من قبل الاسلام الرسمي المسيطر الذي هيمن عليه الحنابلة في نهاية المطاف او قل المذهب الحنبلي الاشعري في آن معا. ويرى اركون انها كانت قد ظهرت في البصرة منذ نهاية القرن الاول الهجري أي في عهد الامويين. ومعلوم ان الدعاية العباسية استخدمت اسمها وقالت بانها محبذة لأطروحاتها من اجل قلب الامويين والحلول محلهم. والواقع انها تبنتها كمذهب رسمي للدولة في عهد المأمون والمعتصم والواثق قبل ان ينقلب عليها المتوكل وينتصر للحنابلة ضدها. ثم دارت عليها الدوائر بعدئذ حتى صفيت نهائيا ولم تقم لها قائمة في ارض الاسلام منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. لا توجد فرقة معتزلية حاليا كما توجد فرق شيعية أو سنية أو اباضية. ولكنها كانت موجودة في الماضي وبقوة. ومعلوم ان كتب الملل والنحل التي صنفتها في خانة الزندقة ككل الكتب التي ألفت في ظل السلطة الرسمية اعتبرت ان واصل بن عطاء كان قد مات عام 132هجرية/750ميلادية. وكان قد شكل جماعة دعوية لنشر أفكار الحركة في مختلف الامصار الاسلامية. بل ووصل دعاته الى المغرب الكبير واليمن وهي مناطق بعيدة جدا عن العراق.

ان مقتل ابن المقفع

كان علامة أولى

على هزيمة العقل

في الاسلام

هذه هي الاعتبارات التاريخية التي تتيح لنا ان نعرض انتصار العباسيين على اساس انه انتصار لمجرد حزب سياسي - ديني من جملة احزاب اخرى كانت تضج بها الساحة الاسلامية آنذاك. ومعلوم ان التحالفات التي عقدوها والمعارضات التي أثاروها زادت من تفاقم انقسامات الأمة بدلا من ان تخفف منها. لاريب في ان الخلفاء العباسيين الاوائل حاولوا اعادة تشكيل وحدة المؤمنين المتصارعين والمنقسمين على أنفسهم منذ عهد الامويين بل وحتى بعد موت النبي مباشرة. ولكن الاسلام الرسمي الذي حاولوا فرضه اصطدم بتيارات اخرى بعيدة عن المركز في مدن اخرى كالبصرة والكوفة ودمشق. وراحت هذه التيارات تجد لها مواقع واستطالات في العاصمة بغداد حيث  ان امكانيات التحقق الفكري أغنى واكبر.

ويرى اركون انه حتى عام 236هجرية/850 ميلادية فانه يمكن القول بان الموقف البراغماتي العملي المنفتح على كافة التسويات والحلول الفقهية الواقعية كان هو السائد، وكذلك ممارسة الاجتهاد بالمعنى الاكثر خصوبة للكلمة، والتثاقف. كل هذه الاشياء الثلاثة الايجابية فرضت نفسها في تلك الفترة على معظم المفكرين الكبار في العصر العباسي. وبهذا المعنى فهو يستحق تسمية العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الاسلامية. نلاحظ ان هذه الفترة تشمل عهود كبار الخلفاء العباسيين كهارون الرشيد والمأمون والمعتصم والواثق وحتى بدايات عهد المتوكل الذي سرعان ما انقلب عليها كما ذكرنا آنفا. ثم لاحق هذا الخليفة المتعصب المعتزلة والفلاسفة وعموم العقلانيين وانتصر للحنابلة وأهل الحديث والتقليد.

ارسطو - من أسباب حماسة القادة الثقافيين العرب والمسلمين للمعرفة والحقيقة والنور والفلسفة

ولا يخفي اركون[3] اعجابه بابن المقفع احد مؤسسي النثر العربي في بداياته على الرغم من انه كان فارسي الاصل. ولكنه تعلم العربية ونبغ فيها كما ونبغ في مختلف العلوم وفي كافة اللغات من العربية الى الفارسية الى اليونانية وحتى الهندية. وعلى الرغم من انه قتل بتهمة الزندقة زورا وبهتانا وهو في مقتبل العمر 36 سنة فقط الا انه خلّف وراءه مؤلفات هامة ليس أقلها ترجمة "كليلة ودمنة" من الفارسية الى العربية ثم كتاب "الأدب الكبير" و"الأدب الصغير" وأعمال اخرى.

ان حياته وأعماله تجسدان ذلك الغليان الفكري الباحث عن بلورة عقيدة دينية وثقافة دنيوية متكاملة وأسلوب حياة يلتقي فيه العرب وغير العرب متشاركين بالقيم الجديدة دون ان ينقطع كل طرف عن ماضيه الخاص: أي الفارسي فيما يخص الموالي والعربي السابق على الاسلام فيما يخص العرب. ان نشاط هذا المفكر الكبير الراسخ الجذور في التراث الايراني هو اكبر دلالة على التقدم الذي بذله العرب وغير العرب في التعرف على بعضهم البعض والاكتشاف المتبادل. كما انه دليل على حجم الطريق الذي بقي لكي يقطعوه سوية. فالعرب كانوا يشهدون آنذاك توسع لغتهم و كذلك انتشار الاسلام في أوساط الشعوب المفتوحة. والفرس كانوا يبرزون داخل الاطر الجديدة التي قبلوا بها مدى غنى تراثهم الثقافي الايراني السابق على الاسلام. وعلى هذا النحو حصل تفاعل خصب ومعطاء بين كلا الطرفين. ان مقتل ابن المقفع كان علامة أولى على هزيمة العقل والعقلانية في الاسلام.

ولكن على الرغم من أهمية الارث الثقافي الايراني القديم في تشكيل الحضارة العربية الاسلامية الا ان الدور الذي لعبه التراث اليوناني في عملية التلاقح الثقافي كان اكبر. وهنا ينبغي ان ندرس على التوالي كيف تمت ترجمة فلاسفة اليونان الكلاسيكية الى العربية وبخاصة افلاطون وارسطو. ثم ندرس بعدئذ كيف حصلت ترجمة الفلسفة الهلنستية المتمثلة بمدرسة الاسكندرية بكل فروعها الافلاطونية والارسطوطاليسية والافلوطينية. هذا بالاضافة الى الفلسفة الرواقية والابيقورية والفيثاغورثية والهرمسية الباطنية.

وينبغي ان نضيف اليهم تأثير آباء الكنيسة وبخاصة من خلال المراكز السريانية الموجودة في منطقة الشرق الاوسط كمركز الرها وحران. وكذلك ينبغي ان نذكر الدور الذي لعبه مركز جنديسابور الواقع في ايران في الترجمات ونقل المعرفة من لغة الى اخرى.

ربما كان انحطاط

العالم العربي

والاسلامي كله

يعود الى تخليه عن

لاهوت المعتزلة

العقلاني المسؤول

والواقع ان عملية الترجمة كانت طويلة جدا وقد استغرقت قرنين من الزمن  اواكثر: أي منذ القرن الثاني الهجري وحتى منتصف القرن الرابع الهجري. وعندئذ تشكل المعجم الفلسفي والعلمي العربي لأول مرة في التاريخ. قبل ذلك كانت اللغة العربية لغة شعر ونثر وخطابة ودين وفقه وحديث وأخبار العرب الخ.. ولكنها لم تكن لغة علم او فلسفة. وقد اصبحت كذلك بفضل عملية الترجمات الواسعة التي شجع عليها المأمون كثيرا. وهنا يكمن الفرق بين المستبد المستنير كالمأمون/ والمستبد الظلامي الانغلاقي كالمتوكل والقادر وسواهما.

أيا يكن من أمر فانه ينبغي علينا ان نستكشف جيدا الوسط البغدادي في النصف الاول من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي لكي نفهم سبب حماسة القادة السياسيين كما القادة الثقافيين العرب والمسلمين للمعرفة والحقيقة والنور والفلسفة. كان ذلك العصر يمثل فترة من اجمل فترات التاريخ العربي تفاعلا مع كل التيارات الفكرية الاجنبية. وما كانوا يعتبرون ذلك غزوا فكريا كما يزعم قادة السلفيين والاصوليين اليوم! على العكس لقد حرصوا على ترجمة معظم أعمال افلاطون وارسطو وجالينوس الى لغة الضاد. بل وترجموا المؤلفات الاساسية لشرّاحها من أمثال بورفيروس وسامبليسيوس وبروكليوس. ولا ريب في ان ارادة عاهل عظيم ومستنير كالمأمون كانت هي الدافع الاول لكل هذا التفاعل الثقافي الخلاق.

ومعلوم انه حكم الامبراطورية العربية الاسلامية لمدة عشرين سنة بين عامي 198.218هجرية/813.833 ميلادية. وتأسيس بيت الحكمة من قبله كان يعتبر واحدا من اهم القرارات السياسية في تاريخ العرب والمسلمين. نقول ذلك ونحن نعلم أهمية الدور الذي تلعبه مراكز البحوث والترجمات في نهضة الشعوب والأمم قديما وحديثا. ولكن ارادة هذا الخليفة الكبير كانت مدعومة من قبل طبقة اجتماعية بأسرها ولم تكن مجرد ارادة فردية معزولة. نقول ذلك على الرغم من اهمية القائد او الزعيم في تدشين الحركات النهضوية الكبرى. ونقصد هنا الطبقة البورجوازية التاجرة في بغداد وبقية العواصم الاسلامية. فهي التي دعمت الفكر العقلاني للفلاسفة والمعتزلة وكذلك التيارات الادبية والشعرية المتحررة. وهي التي دعمت ظهور المكتبات في بغداد وسواها وصرفت بسخاء على الأدباء والكتاب. وأدى كل ذلك الى الرفع من شأن العقل البشري واعتباره أداة أساسية للكشف والمعرفة بالاضافة الى الوحي او الدين. ينبغي التنويه هنا بالفعالية العلمية العربية بالمعنى المحض للكلمة: أي العلوم الفيزياء والرياضية والفلكية وسواها. ومعلوم انها ازدهرت بين القرنين الثالث والخامس للهجرة، أي ابان العصر الذهبي.

اما الان فسوف نتوقف قليلا عند حركة فكرية كبيرة أثرت على الفكر العربي الإسلامي لعدة قرون مقبلة قبل ان تسحق من قبل الحنابلة سحقا ويسحق معها العقل والفكر: انها فرقة المعتزلة.

سقراط يعلم تلامذته في مخطوط "مختار الحكم ومحاسن الكلم" لابن المبشر

يرى اركون ان هناك معطيين اساسيين ينبغي ان يقودا نظرتنا عندما نتنطح لدراسة هذه الحركة الفكرية الشهيرة في تاريخ الاسلام. الاول هو انه لا توجد في البصرة اولا ثم في بغداد ثانيا مدرسة فكرية وحيدة تعتنق نفس العقيدة وتحمل اسم: المعتزلة. وانما توجد شخصيات عديدة ذات طبائع ومواقف فكرية مختلفة ومع ذلك فكلها تنتمي الى الاعتزال. فمثلا فيما يخص المسألة الحاسمة المتعلقة بالخلافة او الامامة نلاحظ ان عمرو بن عبيد والجاحظ وثمامة كانوا مؤيدين لأبي بكر هذا في حين ان الجبائي  وبشر بن المعتمر والاسكافي كانوا من أنصار علي بن ابي طالب ويعتقدون بانه الأحق بالخلافة. وبالتالي فالمعتزلة كانت حركة تعددية تقبل بحق الاختلاف بين اعضائها حتى فيما يخص مسائل خطيرة طالما قسمت المسلمين كمسألة خلافة الرسول.

المعطى الثاني الذي ينبغي ان نأخذه بعين الاعتبار عندما ندرس هذا التيار الفكري الهام يخص علاقته بالفلسفة. لاريب في ان الامكانيات الفكرية للمعتزلة اصبحت اكثر اكتمالا بعد انتقالها من البصرة الى بغداد واطلاعها على الفلسفة اليونانية. عندئذ حصل اتفاق بين جميع تيارات المعتزلة على عدة مباديئ اساسية تمثل القواسم المشتركة بالنسبة لها: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويعتقد الباحثون  ان اول من بلور هذه المباديئ التي تمثل عقيدة المعتزلة هو ابو الهذيل العلاف في مؤلفه المدعو "بكتاب الحجج". وهنا تتجلى أصالة المعتزلة وعقلانيتهم وشجاعتهم الفكرية بالقياس الى كل المذاهب الاسلامية الأخرى. فقد حرروا العقل الى حد كبير من هيمنة السمع: أي التراث الديني المقدس. وبدءا من ذلك التاريخ اصبح التضاد بين المعارف العقلية او العقليات كما كانوا يقولون/ والمعارف السمعية او السمعيات شيئا محوريا وأساسيا في تاريخ الاسلام. اصبح معيارا موثوقا ويمكن الاعتماد عليه من اجل تصنيف المفكرين وكل الاعمال الفكرية والثقافية فنقول: هذا مفكر عقلاني، وذاك مفكر سمعي او تقليدي يكتفي بتكرار ما يسمعه من كلام ديني يفرض نفسه فوق العقل أو خارج اطار العقل.

وعظمة المعتزلة تعود الى انهم ركزوا على فكرتين اساسيتين هما: توحيد الله وعدله، ولذلك كانوا يدعونهم احيانا "بأهل التوحيد والعدل" ثم أضافوا اليهما فكرة ثالثة تخص الارادة البشرية ومسؤولية الانسان عن أعماله وان الله ليس مسؤولا عن الاعمال الشريرة التي يقوم بها الانسان، معاذ الله! فالله لا ينتج عنه الا الخير المحض ولذلك فهم يرفضون بشكل قاطع تلك المقولة التي ترسخت في جهة التقليديين والتي تقول: بان القضاء خيره وشره من الله تعالى. انها تصدمهم جدا وتصدم كل ذي حس سليم: اذ كيف يمكن ان نربط فكرة الشر بالله، مجرد ربط؟ كيف يمكن ان يصدر الشر عن الله؟ شيئ مضاد لكل منطق او عقل. ومع ذلك فهذه هي المقولة التي ترسخت في العالم الإسلامي او أغلبيته حتى الان. وفي كل المدارس العربية تدرس هذه المقولة وكأنها مسلمة الهية لا يرقى اليها الشك! وربما كان انحطاط العالم العربي والاسلامي كله يعود الى تخليه عن لاهوت المعتزلة العقلاني المسؤول وتبنيه للاهوت خصومهم التواكلي الذي لا يؤمن بفكرة السببية ولا بفكرة المسؤولية البشرية. هنا يكمن الخلل الاول الذي أصاب العقلية العربية الاسلامية وثمنه لا يزال يدفع حتى هذه اللحظة.

تكفير العقل في

الاسلام مستمر

منذ الف سنة

ويرى محمد اركون ان ابراهيم النظام استاذ الجاحظ الذي مات عام   231هجرية أي 846 ميلادية كان مثالا على المفكر المعتزلي النموذجي الذي لم يفهمه مفكرو السنة ابدا  ولم يقدروه حق قدره. انظر كمثال على ذلك ما قاله عنه بعض مؤلفي كتب الملل والنحل كالبغدادي والشهرستاني مثلا. فهذا الاخير اتهمه باحداث البدع في الاسلام ان لم يكن بالخروج عليه! لماذا؟ لانه يختلف مع بعض مقولات أهل السنة. اما السلفيون المعاصرون فقد كفروه واتهموه بالزندقة هذا في حين انه كان مسلما حقيقيا وعقلانيا كبيرا في آن معا. وقد حاول جاهدا ان يشكل نزعة توحيدية صارمة جدا مبنية على العقل والقرآن. ووقف سدا منيعا ضد سيل الاحاديث النبوية المتدفقة والمشبوهة وفتح صدره واسعا للمعرفة التي كان يمكن ان يتلقاها من الفلسفة اليونانية. كما وخاض حربا ضروسا على جبهتين اثنتين:جبهة الثنويين والدهريين أي الملاحدة من جهة، وجبهة الحنابلة واهل الحديث والتقليد من جهة اخرى. ولهذا السبب بالذات فان أحد زعماء السلفية المعاصرة الشيخ سفر الحوالي كفره قائلا: "الا ان بعض هؤلاء الزنادقة ظهر أمره وبعضهم لم ينفضح امثال المعتزلة الكبار كالهذيل بن العلاف وابراهيم النظام فقد كانوا زنادقة، بل الجاحظ يعد من الزنادقة وله رسائل تشهد على انه زنديق والعياذ بالله"[4].

لاحظ ان كل عظماء الامة اصبحوا كفارا وزنادقة بمن فيهم الجاحظ! بل وأضاف هذا الشيخ السلفي الى ادانة زعماء المعتزلة كلا من المعري والحلاج وابن عربي وسواهم. كل عباقرة الأمة أصبحوا كفارا! انه لشيئ مخيف حقا: تكفير العقل في الاسلام مستمر منذ الف سنة وحتى اليوم ثم يدعون ذلك بالصحوة الاسلامية! فاذا كانت الصحوة هي هذا فما بالك بالاغفاءة او النومة على التاريخ؟ هذا يعني ان نهضة هذه الأمة لن تكون غدا ولا بعد غد.. اللهم اذا ما استمر هؤلاء السلفيون المضادون للعلم والفلسفة والعقل في فرض آرائهم الانغلاقية ان لم أقل الارهابية على الفضائيات الدينية وبرامج التعليم في العالم العربي.

الشيخ سفر الحوالي: "امثال المعتزلة كانوا زنادقة"

اما محمد اركون فعلى عكس هؤلاء السلفيين القدامى والجدد فانه يشيد بالمعتزلة وبأطروحتهم الشهيرة عن خلق القرآن. لماذا؟ لانهم جعلوا من النص المقدس رسالة يمكن تحديدها تاريخيا بدقة ويمكن فك رموزها او تفسيرها لغويا. وهكذا عارضوا أطروحة الحنابلة الغيبية اللاتاريخية ووضعوا النص القرآني تحت متناول عقل الانسان وقدرته على فهمه وتأويله. ومعلوم أن أطروحة الحنابلة طمست تاريخية القرآن بالكامل أو وضعته فوق التاريخ كليا. ولا تزال مهيمنة على عقلية المسلمين حتى اللحظة. وهي التي تشكل أكبر عقبة في وجه تحرر المسلمين من عقلية القرون الوسطى التكفيرية. ولكن لو ان أطروحة المعتزلة هي التي نجحت وتغلبت لكان يسهل علينا اليوم ان ننخرط في التفسير التاريخي للقرآن كما يفعل كبار المستشرقين في اللغات الاجنبية.

ولكنها للاسف فان أطروحة القرآن المخلوق وئدت في مهدها تقريبا ولم تقم لها قائمة منذ الف سنة وحتى اليوم. وهذا يعطينا فكرة عن حجم الهزيمة الساحقة التي مني بها العقل في الاسلام ويفسر لنا في ذات الوقت سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم[5]. يضاف الى ذلك ان المعتزلة بالحاحهم على مسؤولية الانسان عن أعماله حبذوا انبثاق الشخص الحر المستقل في الاسلام. ولكن هنا ايضا أجهضت أطروحتهم وحلت محلها الاطروحة الاشعرية القائلة بالكسب: أي ان الله هو المسؤول عن كل اعمال البشر بخيرها وشرها وانه لا توجد أي ارادة حرة للانسان وبالتالي فهو غير مسؤول عن اعماله في نهاية المطاف. فالقدر خيره وشره من الله تعالى! ثم ألغى الاشعري فكرة السببية التي هي أصل كل علم وكل عقل. وسار على نهجه الغزالي كما هو معروف. وهكذا اكتملت الآية فصولا وحصل الانغلاق الكامل وقضي على العقل والعقلانية في ارض الاسلام. ونحن ورثة كل ذلك في برامجنا التعليمية وأفكارنا الشخصية التواكلية بل وحتى في حياتنا اليومية. فكيف يمكن اذن ان ننهض ونلحق بركب الامم المتقدمة؟ كيف يمكن أن نتخلص من عقلية التكفير والتفجير؟ كيف يمكن أن نستدرك ما فات ونخرج من المأزق الكبير الذي نتخبط فيه اليوم؟



[1] لحسن الحظ فان الدستور التونسي الجديد حرم التكفير واعترف بحرية المعتقد والضمير.وهذه سابقة في العالم العربي.ولم يقبل زعماء الحركة الأصولية التونسية المدعوة بالنهضة بذلك الا على مضض وبعد نقاشات حامية جدا داخل البرلمان التونسي.

[2]وعندئذ ينبغي لحل المشاكل بين المسلمين من جهة، وأهل الكتاب من يهود ومسيحيين من جهة أخرى، أن نعود الى فترة النبي ذاتها, أن نؤرخن كل الآيات الهجومية - التكفيرية لكي تصبح نسبية لا اطلاقية: أي مرتبطة بظروف عصرها الصراعية ولا تنطبق على اليهود والمسيحيين اليوم. وهنا تكمن المهة الشاقة المطروحة على المثقفين العرب. للأسف الشديد فقد خسرنا مؤخرا ركنين كبيرين من أركان التنوير العربي هما: العفيف الأخضر وشاكر النابلسي.وقد كانا قادرين على مواجهة الحركات التكفيرية بكل شجاعة ومقدرة.

[3] أعتمد في هذا العرض بشكل خاص على كتاب أركون: الفكر العربي،المطبوعات الجامعية الفرنسية،الطبعة الرابعة،M.Arkoun :La pensee arabe.PUF.1991 كما وأعتمد على دراساته وكتبه الأخرى في أماكن متفرقة.

[4] انظر موقع الشيخ سفر الحوالي على الانترنيت

[5] ولكن بالاضافة الى تكفير المعتزلة واباحة دمهم من قبل نص الاعتقاد القادري جرى تكفير الفلاسفة من قبل الغزالي في كتابه الشهير: تهافت الفلاسفة. وعلى هذا النحو حصلت هزيمة العقل في الاسلام.من المعلوم أن نص الاعتقاد القادري نسبة الى الخليفة العباسي القادر بالله كان قد أذيع في جوامع بغداد عام 1017 ميلادية: أي قبل ألف سنة الا أربع سنوات.لذلك نقول بأن العقل مهزوم في الاسلام منذ ألف سنة! من هنا صعوبة الاستيقاظ الفكري اليوم. ومن هنا هيمنة التيارات الظلامية اللاعقلانية على الساحة العربية والاسلامية ككل.