د. اقبال الغربي

تعريف السلفية: "السلف" في اللغة هو الماضي، وفي الاصطلاح هو العصر الذهبي الذي يمثل نقاء الفهم والتطبيق للمرجعية الدينية والفكرية، قبل ظهور الخلافات والتناقضات  والمذاهب  التي وفدت على الحياة الفكرية الإسلامية بعد الحروب والغزوات.

وفي نقس السياق وبعد "السلف" الذين يشملون الصحابة والتابعين والأئمة العظام للمذاهب الكبرى من تابعي التابعين يأتي "الخلف"، الذين يتلونهم في التسلسل الزمني، ثم تأتي أجيال "المتأخرين" ثم "المحدثين" ثم "المعاصرين".

أما السلفية بعبارة الإمام محمد عبده فهي: "فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى"، وبرغم وضوح هذا التعريف فإن فصائل السلفية تعددت من حيث التكتيك والاستراتيجيات ، فمنهم من يقف عند ظواهر النصوص، ومنهم من يُعمل العقل في الفهم بين مسرف في التأويل أو مقتصد ومنهم من يعتمد العنف ومنهم من يرتكز على الدعوى.

سلفية أو سلفيات

اريش فروم: ركز على  أهمية ودور الكبت الجمعي

فالسلفية إذن سلفيات  سلفية "جهادية" تدعو إلى الانقلاب على أنظمة الحكم، وسلفية دعوية أو"علمية"، تتبنى الفكر الانسحابي، وتدعو إلى طهارة المعتقد، وعدم منازعة الأمر أهله، سلفية تدير شبكات المدارس القرآنية في المدن والقرى التونسية في تناغم مع المؤسسات الرسمية وسلفية تسخر مواقع التواصل الاجتماعي لتوصيل رسالتها إلى الجماهير وسلفية وظفت محنة السجناء المسلمين وخاصة التونسيين الذين حاربوا مع تنظيم «القاعدة في العراق» وما يزالون في السجون العراقية والآن السورية للحصول على المساندة والأموال

كذلك استفادت السلفية في بلادنا من شبكات المساجد بما تنسجه جمعيان البناء والصيانة والترميم والتجهيز من شبكات تواصلية متعاونة ومتآلفة تساهم في تعزيز الحركة على مستوى القاعدة

ومهما اختلفت القناعات وتنوعت الممارسات تشترك السلفية في مجملها ببعض الخصائص:

- النصوصية أي القراءة الحرفية للقران

- تغليب الممارسات الطقوسية على حساب القيم الروحية ، والتشبث بسلوك- "شكلاني" في الفضاءات العامة

- ممارسة العنف سواء كان هذا العنف ماديا وسافرا أو رمزيا ومتسترا

والعنف الرمزي حسب بورديو هو

عبارة عن عنف لطيف وعذب, وغير محسوس, وهو غير مرئي بالنسبة لضحاياه أنفسهم, وهو عنف يمارس عبر الطرائق والوسائل الرمزية

كاللغة والتعليم والتربية والثقافة وأساليب التنشئة الاجتماعية وأشكال التواصل داخل المجتمع, فيلحق الضرر بالغير بطريقة لا تثير انزعاجا, بل أن الذين يمارس عليهم هذا العنف قد لا يعتبرونه عنفا وقد يساهمون في إنتاجه وترويجه وكأنه حتمية وجودية وحقائق مطلقة وثابتة, ويقبلونها بكل تلقائية وتسليم. هذا النوع من التلقي يسميه بورديو ب " الإقناع الصامت والسري " الذي يفرض الهيمنة والسلطة والتمييز واللامساواة  بين الأنا والآخر بين المرأة والرجل بين الغني والفقير ويشرعها دينيا وأخلاقيا ولا يعتبرها كواقعة تاريخية وثقافية بل كظاهرة فطرية طبيعية مقدسة لا تحتمل المسائلة والتشكيك وعكسها هو العجب

العنف الرمزي

هو ظاهرة فطرية

طبيعية مقدسة لا

تحتمل المسائلة

والتشكيك

والجدير بالذكر هو أن   أحداث 11 سبتمبر2001 بالولايات المتحدة الأمريكية هي التي أثارت انتباه العالم إلى هذه الحركات الهامشية، واعتبرت العديد من الأوساط أن الإطار النظري السلفي لهذه التنظيمات مسؤول أدبيا وموضوعيا عن هذه المجزرة، لأنها وفرت المرجعيات المقدسة التي تشبع بها مرتكبو تلك الأحداث. لذلك أصبحت هده الظاهرة مثار اهتمام كبير، وموضوعا ترسم في ضوئه الاستراتيجيات الدولية والإقليمية بيد أن هذا الاهتمام ركز أساسا على العوامل السياسية والاقتصادية.

ومن النادر أن نجد دراسات في علم النفس السياسي تعتمد على مرجعية سيكولوجية لفهم هذه الظاهرة أي تستخدم الأساليب والمفاهيم ونظريات علم النفس في تحليل سلوك الجهات الفاعلة في هده الحركة السياسية، وتفسر المواقف والقرارات الهامة باستخدام مصطلحات علم النفس  وقد تكون  هده المقاربة حلقة الوصل الضائعة التي تربط البنية الفوقية بالأساس الاقتصادي،  وتحاول   فهم العوامل اللاواعية في السلوك الذي هو«   ليس وليد الصراع الاقتصادي فقط كما عناه ماركس، وليس نتاج الصراع الجنسي كما عناه فرويد، بل هو حصيلة أبعاد وجودية شخصية الطابع، اجتماعية المنشأ، شمولية الإطار".

فالإجماع اليوم يؤكد أن  الفرد  وحدة بيولوجية نفسية اجتماعية متكاملة ومتفاعلة بامتياز.

الميل إلى الأفكار التي تعادي الديمقراطية

وقد سبق أن تساءل فرويد، في دراسته للرابطة وللتماسك الاجتماعي داخل جيش أو كنيسة، أو حزب عن وظائف الأهواء السياسية في تكثيف التبادلات الاجتماعية، انطلاقاً من مقاربة تحليلية. وقد دفعت هذه الأبحاث إلى التساؤل حول موقع ومكانة الآليات النفسية  في الحياة السياسية، وحول منشئها وفعاليتها. وتابع  رايخ  هذه الإيحاءات قائلاً: إن المقاربة التحليل-نفسية ليست متناقضة مع المقاربة المادية للظواهر السياسية، بل إنها على العكس من ذلك تكملها. كما أنه وسّع من جهة أخرى مجال البحث، مبيناً أنه لا يتعين فقط أن ننظر إلى الإيديولوجيا السياسية ضمن مؤسساتها الرسمية، بل من خلال كل مصادرها المنتشرة، ومن خلال كل البنى الاجتماعية، وعلاقات العمل، وأشكال التربية العائلية والمدرسية، وأنماط التقوى الدينية. وضمن هذا المنظور، فإن المعالجة التحليلية توسّع طموحها، وتحاول أن تكشف عبر تحليل الإيديولوجيا السياسية عن.الأنماط الوجدانية لمجتمع خاص، خلال لحظة معينة من تاريخه

فيبدو إذن أن المقاربة التحليلية للظواهر السياسية لا تطرح نفسها كَبديل للمعالجة.التاريخية والاجتماعية، بل إنها تقدم نفسها كمكملة مختلفة للتفسير

فحين درس المحلل رايخ الظاهرة الفاشية مثلا، وخلافًا للرأي السائد الذي كان يعتقد  أن الفاشية، قد فُرضت قسرا من قبل أقلية  على الجمهور الواسع، كان رايخ يعتقد أنها كانت استجابة حقيقية لرغبات دفينة لهذا الجمهور، حيث أكد رايخ على أهمية العلاقة الوثيقة التي تربط بين دوافع التسلط الغريزية من جهة وبين الآيديولوجيا الفاشية من جهة أخرى وان التربية العائلية التسلطية هي نواة الدولة التسلطية، ، لأن "سيكولوجيا الجماهير" سريعة التأثر بالدعاية الفاشية المضادة للديمقراطية ومستعدة دائمًا لأن تتقبل نير أية سلطة يكون بوسعها، ومن خلال المظاهر العامة لأبهتها، تلبية حاجات لا شعورية ودوافع لاواعية قابعة في أعماق النفس البشرية.

وفي عام ١٩٤١ أصدر عالم النفس الشهير اريك فروم كتابا ذاع صيته, وكان عنوانه "الهروب من الحرية". لقد استوقفت فروم ظاهرة التفاف غالبية مواطنيه من أبناء الشعب الألماني حول هتلر الدكتاتور العنصري الذي لم يخف يوما عنصريته أو دكتاتوريته.

فما هي ادن الآليات والدوافع النفسية المتلازمة مع الظاهرة السلفية.

الآليات النفسية للتطرف الديني

سحق الفرد كفرد

تيودور ادرنو: "التعلق بالماضي, والاهتمام بالحتمية, ورفض للأفكار والمواقف الموضوعية, وتصلب ضد القيم والأفكار الجديدة والغريبة"

يتميز المشروع التوتاليتاري عامة بفتح باب الاضطهاد على مصراعيه لكل أفراد الشعب دون استثناء بشكل مستقل عن الخصوصيات الجنسية أو الطائفية أو الطبقية. فهو يعادي كل ما يمكن أن يشهد سواء في المشاعر الإنسانية أو في الفن أو في اللغة أن شيئا ما يمكنه تكذيب ادعاءاته الشمولية أو زعزعة الأوهام المطمئنة التي يعتمد عليها. المشروع التوتاليتاري يطارد كل نزعة فردية لأنها مرتبطة حتما بالبشري - بالحسي- بالثقافي وأيضا بالرغبة والمتعة والتحرر. لماﺬا ؟ لان تعطيل هذه النزعات تثبت الفرد وتجمده في حالة طفلانوية لامتناهية وفي مراحل جنسية ما قبل اوديبية وتجعله ينخرط في الأطوار الفمية والسادية المازوشية للإثارة الجنسية. وهي أطوار تتلاءم مع وضعيات الفتنة والتماهي ومع علاقات الطاعة والتبعية والخضوع المازوشي التي تنسج مع الزعيم ومع القائد. هذا القائد الذي ينتصب في موقع مثال الأنا ويلعب دور الأب الاجتماعي ويلبي رغبة عتيقة تسكن أعماق الإنسان من المهد إلى اللحد وهي الرغبة في نيل حب.وحماية أب ودود وقوي

البحث عن أب اجتماعي

أثار العديد من الدارسين إشكالية "المجتمعات بدون أب" والتي تعاني أزمة السلطة وأزمة التماهي من جراء تدمير الأسرة التقليدية وتفكيك النسيج الاجتماعي القديم  وأيضا من جراء انهيار المصادر التقليدية للسلطة الاجتماعية وفقدان المؤسسات ألكبري التي كانت تؤهل وتؤطر الشباب كالمدرسة والأحزاب  والنقابات لمشروعيتها ولمصداقيتها.

تمثل الحركات السلفية حصن حصين للعديدة من الفئات الشبابية المهمشة .وتبحث هذه الفئات عن أب اجتماعي يحميها من غوائل مجتمع يتفكك ويجعلها تطلب الاحتماء من تبعات الواقع ومهامه الصعبة بخطاب ماضوي, تبسيطي ومثالي يعطيها حلولا جاهزة لكل تناقضاتها الحياتية. وتكون هده الفئات مستعدة الاستعداد التام للامتثال الكامل للإيديولوجيا أو خط الحزب، فالإيديولوجيا المهيمنة تكون نتاج كل ما هو تقليدي موروث وراسخ، لذلك لا تتحمل أية أفكار منافسة ولا تتساهل مع أية مواقف مغايرة.‏ ذلك أن التنظيمات الاستبدادية تطور مع الزمن مبدأ تنظيمياً بارزاً: التراتبية الاستبدادية، أي طاعة القائد، حيث تمضي الأوامر من القمة إلى القاعدة لتنفذ بحذافيرها دون تردد أو تذمر:‏

بهذه الطريقة تتنامى ثقافة الطاعة السياسية العمياء للقائد وبالتالي للحركة أو التنظيم ويدعى هذا التوجه التراتبي بالخضوع الاستبدادي.‏

الشخصية المتسلطة

دفعت التغيرات السياسية غير المسبوقة وسيطرة الفاشية على الحكم في ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية رواد مدرسة فرنكفورت إلى البحث في النزعة التسلطية ومن هنا بدأ الفيلسوف هربرت ماركوز يكشف النقاب عن القضايا المتعلقة بمفهومي الحرية والسلطة.

وحدانية الكتاب - ووحدانية الأمة

من أوائل من تأثر بمفهوم الشخصية المتسلطة هو اريش فروم حيث ركز على  أهمية ودور الكبت الجمعي الذي يلازم المجتمعات وخاصة في العائلة الأبوية وحاول تطبيقه على "الشخصية الفاشية" التي تمثل في نسيجها الشخصية السادية. ومن ذلك التاريخ أصبحت تحليلات فروم أساسا لمشروع واسع النطاق حول الأسس الاجتماعية والنفسية للشخصية المتسلطة التي تعيق بناء نظام قيمي ديمقراطي.

كما اهتم مؤسس مدرسة فرنكفورت ماكس هوركيمر ، بدراسة موضوع العائلة والسلطة وتتبع أسباب النزعة العدوانية التي تنمو منذ الطفولة وذلك بسبب كبت الحاجات من قبل العائلة التقليدية التي تفرض طاعة الكبار على الصغار وتحول الضعفاء من الناس إلى قاصرين. ويضع هوركهايمر المسؤولية بالدرجة الأولى على الضغوطات الاجتماعية والكبت الذي يولد عدم التماثل والانسجام مع المجتمع وعدم التكيف مع البنى التراتبية.بحيث يتخذ الطفل أو الجماعة أو الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها " نمط التفكير" السائد، مثلما يتخذ نفس المواقف ويطلق نفس الأحكام المسبقة بسبب قلة المعرفة والخبرة  وضعف التربية الديمقراطية.

ويمكن حسب المفكر تيودورادرنو تحديد خصائص  تلازم هذه الشخصية وتكون ميولا أو اتجاهات أو قناعات ترتبط بعضها مع البعض الآخر في علاقة جدلية، وتكون في كثير من الأحيان "ذهنية" أو " بنية" متماسكة من طرائق التفكير والعمل والسلوك كما يلي:

- التمركز على الذات وكذلك المركزية الاثنية

- التعلق بالماضي مع تعصب وتصلب ضد القيم والأفكار الجديدة والغريبة

- الميل إلى الأفكار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحافظة التي تعادي- الديمقراطية

- رفض للأفكار والمواقف الموضوعية والاهتمام بالحتمية والقدرية وغيرها-

- الالتزام بالنماذج التقليدية وبالشكليات مع رفض للجماليات واليوتوبيا والفكرالنقدي وعدم الاعترافَ بالتعددية والاختلاف وحق الفرد في اختيار قيمه باستقلال عن مجموعته الدينية أو الاثنية

- التماثل بالقوي والتماهي معه

- الاهتمام المفرط بالقضايا الجنسية، ولكن بشكل مخفي أو مبطن

- اتجاه نحو عدم التسامح مع الآخر وعدم احترام الاثنيات والأقليات والأديان- الأخرى.

هاجس الطهارة والنقاء وهذيان التطهير

يؤجج إلمشروع المتطرف هاجس الهوية بمفهومها السطحي والبدائي أي الهوية المنغلقة على ذاتها والمتناقضة مع الآخر. لدلك نراه يؤكد ويطالب بوحدانية الدين - بوحدانية اللغة المقدسة - بوحدانية الكتاب - بوحدانية الأمة التي هي خير امة أخرجت للناس  والتي ستملأ أرض الإسلام عدلاً بعدما امتلأت جورا.

يطالب بوحدانية

الدين - بوحدانية

اللغة المقدسة

ويؤدي هاجس الوحدة والتوحد إلى معاداة ومحاولة نفي وفي بعض الحالات إلى إبادة كل ما ومن يهدد وهم التناغم والوفاق ويكذب هذه الادعاءات الهلوسية. لماﺬا ؟ لأنه يعرض المجموعة إلى الخطر- خطر الشك - خطر زعزعة اليقينيات - خطر الانقسام - خطر الصراعات والتناقضات الحتمية. ومن المفيد أن نذكر أن الوهم في التحليل النفسي ليس الإدراك المخلوط للحقيقة بل هو تحقيق لرغبة لاشعورية وتعويض ﻟﺫﻴﺬ لحقيقة مريرة. يقول فرويد: "نسمي وهما معتقدا ما عندما يكون تحقيق الرغبة عاملا أساسيا باعثا له." فالمختلف عرقيا أو دينيا أو جنسيا والمثقف النقدي والمفكر الحر والعلوم الحديثة وكل السلوكيات الدخيلة تعاش توهميا كعناصر ملوثة مسمومة تهدد بكارة ونقاء جسد الأمة التي تماثلت في اللاوعي الجمعي مع جسد الأم الطاهرة. وهو ما يفسر رفض المتطرفين للتنوع ولحق الاختلاف ولحقوق الأقليات الدينية والعرقية والجنسية.

تأجيج الميكروفاشية وتغذيتها

يعرف المحلل النفساني وليالم رايخ في كتابه الحاسم "سيكولوجية الجماهير الفاشية". "الميكروفاشية" بكونها: "مجموع ردود الفعل الانفعالية اللاعقلانية للإنسان المتوسط المضطهد من طرف الحضارة الاستبدادية التي أعاقت حركة الحياة الطبيعية عبر مصادرها الثلاثة:  "الحب والعمل الخلاق والمعرفة العقلانية".

تراه مهووساً للذين لم يقتلوا فيهم غرائز الحياة

وتساهم الميكروفاشية في إنتاج الكدر الإنساني ورعايته ولا سيما هذا البؤس الجنسي (عشرة ألاف مستهلك للمواخير يوميا في تونس حسب إحصائيات الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري) والذي نشاهد تجلياته من خلال عودة المكبوت الانفعالي في شكل تدفقات عدوانية أو هوس ديني. هذا الهوس الديني الذي يمجد الألم والخنوع ويحقر اللذة ومباهج الحياة ويعظم التضحية وغريزة الموت.

فلا شك أن قمع الجسد والتفنن في آليات تجريمه وتأثيم أفعاله ورغباته من خلال فتاوى رفض الفن الموسيقى والسينما والاختلاط والتبرج والعطور الخ ينتج نماذج منحرفة وغير سوية .فاحتقان الرغبة والبؤس الجنسي يلتقيان مع قمع الفكر وهدر الطاقات والكل يؤسس للتسلط والهيمنة والرقابة على الأرواح والأجساد والأفكار.

فالميول والدوافع الطبيعية التي يقع إعاقة مسارها لا تتلاشي بل تبقى حية في اللاشعور وتضل مستمرة في نموها ولكن بطرقة غير سوية.فيتحول ضحية الحرمان العاطفي إلى بركان ويصاب بما أسماه النفساني الألماني ولهام رايخ" الطاعون العاطفي."

ينقلب الشعورالعميق

بالدونية إلى شعور

بالتعالي والتعاظم

الديني والأخلاقي

فيصبح معاديا لكل من يخالف نظامه الأخلاقي الصارم مكفرا لكل من يحقق ذاته ويحميها من مصادرة الآخرين لها.فتراه كما يقول النفساني الألماني، مهووساً بالجلد والرجم والقمع والسجن للنساء والرجال الذين لم يقتلوا فيهم غرائز الحياة ولم تصب منهم غريزة الموت مقتلاً. والمصاب بالطاعون العاطفي حتى وإن حقق بعض مكبوتاته الجنسية المحرمة فهو يحققها بهوس عصاني وتحت وطأة شعور ساحق بالذنب والعار من نفسه (انظر حالات الزواج العرفي في الجامعات العربية). لهذا السبب نراه يلجا في محاولة يائسة للتكفير اللاشعوري عن ذنوبه إلى المطالبة بجلد العاصين وبرجم الزناة. أما إذا لم ينتهك هذا الأخير أي تابو فهو سيكون أيضا عنيفا ومتشنجا ضد الآخر المختلف وذلك لا بدافع الغيرة على الأخلاق الحميدة بل بدافع الغيرة من ذلك الذي وجد الشجاعة التي خانته لممارسة رغباته الدفينة وانتهاك الأوامر والنواهي.

الشعور بالدونية

منذ الثمانينات تجذرت أزمات النظام الاقتصادي العالمي واتسعت الهوة بين الطبقات الاجتماعية وفي هذا الإطار اكتشف الرأسمال العالمي وخبرائه منجمين ماليين جديدين وهما المصادر المالية للدولة والخدمات العمومية. ولاستغلالهما وقع إحداث اقتطاعات في صلب قطاعات  الصحة والضمان الاجتماعي وصناديق التعويض ووقع التفريط في العديد من الخدمات العمومية للقطاع الخاص مثل الخدمات البريدية والنقل والتعليم.

وكانت النتيجة تهميش الطبقات الوسطى التي تدهورت بوضوح ظروفها المعيشية  خلال السنوات الأخيرة وأصبحت تعاني من انهيار منزلتها الاجتماعية ومن تدني رأسمالها الرمزي. فهي تتألم من عدم تطابق المواصفات العلمية والمهنية التي تحض بها مع وضعيتها الاجتماعية ومع الامتيازات الملازمة لها وأيضا من شيوع احتقار الفكر والمعرفة مقابل الإعلاء من شأن منطق الربح والنجاعة المادية.

ولهام رايخ: يعادي "الطاعون العاطفي" لمن لم تصب منهم غريزة الموت مقتلاً

وفي هذه الحالة وعندما تصبح توقعات الفرد المتعلقة بالدور الاجتماعي المتعارف عليه وبتصورات الآخرين إزاءه ملتبسة وغير واضحة، فهو يحيد عن القيم السائدة ويبحث عن ملاذ في الهوس الديني والصوفي. وهذا ما لاحظه ماكس فيبر عندما درس أتباع الجماعات الدينية المتكون من البرجوازية الصغيرة التي ألحقت بالبروليتاريا والتي سماها ماكس فيبر "prolateroïde".

حيث ينقلب الشعور العميق بالدونية بحيلة لا شعورية معروفة وهي الآليات الدفاعية الانعكاسية إلى شعور بالتعالي والتعاظم الديني والأخلاقي يقابله  عادة.وصم الآخر المختلف والتباكي على تفسخه الأخلاقي.

أما الفئات الشعبية التي عانت من الإقصاء من دائرة التنمية والمعرفة والمواطنة فقد تحولت إلى ميليشيات تبشيرية  ووجدت ضالتها في متعة التسلط والتحكم في الآخرين لتوجيههم للطريق الصحيح بأسلوب شعبوي سهل ومبسطا تارة وبالعنف الفج  تارة أخرى. وبما أن اللذة التي يوفِّرها العنف يمكن لها أن تنمِّي شعورًا بالقدرة، بالسلطة والتفوق، فإن من شأن العنف أن يعوض عن الإذلال أي عن عقدة "الحقرة" المعممة عندها ويعبر عن أخلاق الحسد والضغينة التي تكلم عنها نيتشه.

وفي خاتمة كلامنا وكما أشار  فرويد ، فإن من الممكن في زمن التوترات والمخاوف أن يجنب العصاب الجماعي الذات الفردية تكاليف ومعاناة عصاب شخصي وفردي لا يحتمل.

المراجع

Theodor W. Adorno, Études sur la personnalité autoritaire (traduit de l'anglais par Hélène Frappat), Allia, Paris, 2007.

Sigmund Freud, Psychologie des masses et analyse du moi ,Broché, Paris 1982.

Erich Fromm, La Peur de la liberté; (traduit de l'anglais par C. Janssens), Buchet-Chastel, Paris, 1963.

Max Horkheimer, Théorie critique, Payot, Paris 1999.

Gérard Mendel, La Révolte contre le père: Une introduction à la sociopsychanalyse, Payot, Paris, 1968.

Jean-Louis Maisonneuve, L'extrême droite sur le divan, Psychanalyse d'une famille politique, Etude (broché), Paris ,1992.

Wilhelm Reich, La Psychologie de masse du fascisme, Payot, 1999.