محمد الصندوق

تعيش معظم المجتمعات العربية والاسلامية المعاصرة حالة عدم استقرار منذ بداية تشكيل مؤسساتها السياسية في القرن العشرين. واخذ عدم الاستقرار هذا بالنمو بعد النصف الاول من القرن العشرين ليشكل الان خطرا يهدد كيانها الاجتماعي والسياسي.

هناك فترتين متميزتين تحكم الحاضر في المجتمعات العربية والاسلامية بصورة عامه هما فترة الانقطاع الحضاري والتي تصل الى ما يقارب العشرة قرون وفترة بداية الانفتاح على الحضارة الانسانية المعاصرة والتي تقارب القرن تقريبا والتي بدات بعد الحرب العالمية الاولى. وبذلك تكون الحرب العالمية الاولى هي نقطة الفصل بين عهدين في التاريخ المعاصر لهذه المجتمعات. خلال الفترة الاولى كان للخمود الفكري وما صاحبه من سكون في النشاط الحضاري تاثيرا كبيرا في خلق نوع من الاستقرار الاجتماعي السلبي. لقد تكونت وخلال قرون ثقافة اجتماعية مغلقة وراكده وبعيدة جدا عن الثقافة المعاصرة التي تتميز بالديناميكية والنزعة الانسانية.

البناء الاجتماعي

المعاصر المستقر

ليس مجرد مدن

حديثة وسيارات

فارهة

اما الفترة الثانية فهي فترة محاولة الحاق بركب الحضارة المعاصرة والتي تمثل مرحلة الطموح. مرحلة الطموح هي مرحلة الاستقرار الايجابي التي قد ترغب هذه المجتمعات بالوصول لها. ولكن محاولة كهذه لا توفر لها مقومات البناء. قد تتوفر بعض الامكانيات المادية هنا وهناك ولكن لا تتوفر القدرات والاستعدادات الاجتماعية والفكرية مطلقا. ان هذا النوع من الاستقرار الاجتماعي يعتمد اساسا على البناء الحضاري المتراكم. من اهم مفاهيم البناء هي ان تكون ارضية الاساس صلدة بما فيه الكفاية لتحمل الثقل الكبير للبناء ومع زيادة البناء ارتفاعا تزداد الحاجة الى صلادة وعمق كبيرين. البناء ليس تشيد فقط بل متابعه واهتمام نحو الحفاظ عليه وديمومته وتطويره. وقاعدة البناء هنا هي الثقافة الاجتماعية .. على اية حال ان فرق الثقافة الاجتماعية كبير وواسع جدا بين المستويين.

أوكست كومت (1798-1857): رائد "الفيزياء الاجتماعية"

وهنا نجد ان الفترة الحالية تقع بين مستويين متناقضين من مستويات الاستقرار الاجتماعي . المستوى الاول كان ما قبل الحرب العالمية الاولى وهو حقيقة واقعة ويتميز بالسكون والخمول الاجتماعي اما المستوى الثاني فهو مرحلة الوصول الى الهوية المعاصرة والبناء الحديث وهذه المرحلة مرحلة افتراضية اشكالها مختلفة حسب تصور الادلجة الاجتماعية التي تحاول رسمها. الفاصلة الزمنية بين المستويين هي الفترة الانتقالية (transition period) التي تعيشها هذه المجتمعات الان. انها فترة انتقالية بين طورين مختلفين كليا عن بعضهما وبعيدين زمنيا عن بعضهما. في المرحلة الانتقالية تكون هذه الثقافة الاجتماعية قلقة وغير مستقره. هذه الفترة تتميز بالاضطراب الاجتماعي وعدم الاستقرار الشديد نتيجة الفاصل الزمن الكبير بين المستويين. انها فترة الصراع الشديد بين الماضي المتجذر اجتماعيا ولقرون عدة وبين المعاصرة ومتطلباتها. انها مرحلة البحث عن الهوية المعاصرة والبناء. انها مرحلة الاضطراب القيمي والفكري والسياسي. وكأي عملية بحث تكون غير مستقرة فيما تحاول الوصول له وتحتمل الكثير من التغيرات والتعديلات ولكنها على المستوى الاجتماعي تكون وللاسف مصحوبة بالدم والضحايا والهدم لما سبق وان تم بنائه.

اول من قال بالفيزياء الاجتماعية (social physics) هو الفيلسوف الفرنسي اوكست كومت (Auguste Comte) [1) . حيث يتم استخدام المنطق العلمي (الفيزياء) في الدراسة الاجتماعيه. على اية حال فيزيائيا تتميز الموائع (السوائل والغازات) بخاصية الاضطراب. لقد سبق لعالم الفيزياء ديفد بوم (David Bohm) وان طرح فكرة مُشابهة البلازما (الغاز المؤين) للمجتمع البشري [2] كما سبق لي وان طرحت نموذجا اجتماعيا مبنيا على ميكانيك البلازما [3].  لقد وجد بعض من الباحثين في مجال الاجتماع والسياسة في النموذج الذي قدمته امكانية في تفسير البعض من الظواهر الاجتماعية فيما وجد اخرون في هذا النموج نوعا من النظرة الكلية (holism).

ان المعاصرة

تستوجب الاعداد

الاجتماعي الذي

يكون بمقدوره خلق

مجتمع ذو ثقافة

اجتماعية معاصرة

على ضوء هذا النموذج يمكن القول بان جهد وطاقة هذه المجتمعات كانت حبيسة لفترة طويلة جدا واشبه ما تكون لطاقة الماء المحصور خلف سد عال. في هذه الحالة يكون الماء المحصور في حالة من السكون والاستقرار وحالما ينهار السد فان حالة من الهيجان وعدم الاستقرار ستلي لحظة الانهيار وتستمر حالة الاضطراب هذه فترة من الزمن (الفترة الانتقاليه) يعقبها سكون وهدوء واستقرار جديد. الفترة الانتقاليه هي فترة تبدد الطاقه الحبيسه.. وعلى المستوى الاجتماعي عندما يكون الفكر حبيس قرون عدة ومُشكل بنمط محدود وضيق تتكون ثقافة اجتماعية راكده غير مرنه وعصية على التحديث. لذا يمكن التوقع بفترة انتقاليه قاسية وصعبة.

هناك عدة مدارس تناولت تطور المجتمع والثقفافة الاجتماعيه . وانا اميل لمدرسة اوكست كومت. حدد كومت ثلاثة مراحل لتطور الفكر الانساني والمجتمع [4] تكون المرحلة الميتافيزيقية (Metaphysical Stage) هي المرحلة الثانية . اما اخر مرحلة تطورية (الثالثه) فهي المرحلة العلمية (Positive Stage). ونتيجة التطورات العالمية المتسارعة وتاثيراتها الاجتماعية افترصتُ وجود مرحلة رابعة وهي المرحلة التكنولوجية (Technology Stage) [5) وتلي المرحله العلميه. على ضوء هذا المقياس هناك فرق زمني كبير بين المرحلة الميتافيزيقية والمرحلة التكنولوجية. الثقافة الاجتماعية السائدة في هذه المجتمعات تعود بمجملها الى المرحلة الميتافيزيقية في حين رغبة التحديث والمعاصرة تتجه نحو المرحلة التكنولوجية.

من مفاهيم البناء هي ان تكون ارضية الاساس صلدة : شاب في القاهرة يتأمل أنقاض مبنى منهار

في هذه المجتمعات عموما هناك نوعان من الفروق الحضارية . فرق حضاري واضح وكبير جدا بين المدينة بقيمها وثقافتها الاجتماعية ومستوى معيشتها والقرية ومستواها المعاشي المتدني وقيمها الشديدة المحافظة. وفرق حضاري واضح وكبير بين المدينة التي تحاول التحديث في كل شيء ومدن الدول المتقدمة التي تعيش التطور الحضاري بسلاسة ومن دون تكلف. هذه الفروق هي المسؤولة عن الانتقال الكبير ( الهجرة) من الادنى الى الاعلى او الهجرة من القرية الى المدينة والهجرة من المدينة نحو الغرب. وباضافة عامل الااستقرارية فان الانتقال ياخذ شكلا اخر واكثر تسارعا.

على هذا تكون هذه المجتمعات تتمتع اساسا بجهد عالي ولكن غير مبرمج للبناء والتطور نتيجة الانقطاع الحضاري المزمن وتاثير الثقافة الاجتماعية. لذا فان امكانية استثمار هذا الجهد للبناء الحضاري مباشرة ومن دون اعداد او تاهل اجتماعي سيكون استثمارا قلقا وغير كفوء. وهذا ما نجده متمثلا في عمليات البناء والهدم المستمرين (الانقلابات والثورات وحروب وعمليات اعادة تنظيم واختلال قيمي ....) وعدم وجود تراكم يؤدي الى تطور وبناء مستمر وبوتائر متسارعة اضافة الى استثمار القدرات الشبابية (من قبل الجهات المؤدلجة) في انشطه بعيدة عن البناء المادي للمجتمع ان لم تكن ضده..!

البناء الاجتماعي المعاصر المستقر ليس مجرد مدن حديثة وسيارات فارهة او استخدام تكنلوجيا أو أو .. كل هذه الظواهر الحديثة هي نتائج افرزتها مجتمعات متطورة وثقافة اجتماعية متطوره تراكمت خبرتها زمنيا. ولاشك ان المعاصرة تستوجب الاعداد الاجتماعي الذي يكون بمقدوره خلق مجتمع ذو ثقافة اجتماعية معاصرة وبذلك يكون قادر على استيراد المنظومات الحديثة وتطويعها لظروفه وادامتها زمنيا مستثمرا الزمن لتجاوز الهوة الهائلة التي يحاول المجتمع تجاوزها. الثقافة الاجتماعية المعاصره هي التي ستقود الى الاستقرار الايجابي الفعال..


المصادر

[1] A. Comte (1853), The Positive Philosophy of Auguste Comte, Trans. Harriet Martineau; Kegan Paul, Trench, Trubner & Co. Ltd. London (1893), vol. I, pp 6.

[2] M. Wilkins (1986), Oral history interviews with David Bohm, 16 tapes, undated transcript (AIP and Birkbeck college Library, London), 253-254.

[3] M. I. Sanduk (2009), Does Society Exhibit Same Behaviour of Plasma Fluid?, Philosophy Paper Archive, PhilPapers.

[4] A. Comte (1853), The Positive Philosophy of Auguste Comte, Trans. Harriet Martineau; Kegan Paul, Trench, Trubner & Co. Ltd. London (1893), vol. I, pp 1-2.

[5] Sanduk M., Is the Technology a New Way of Thinking?, The Journal of Technology Studies, Volume XXXVIII, Number 2, 2012.

http://scholar.lib.vt.edu/ejournals/JOTS/v38/v38n2/sanduk.html