عبد المجيد الشهاوي

لا جدال في أن اصطدام العالم العربي بموروثه الإسلامي التقليدي مع حضارة المستعمر الغربي خلال القرنين الماضيين، ثم بعد ذلك انكشافه المخزي مع التقدم الهائل في وسائل السفر والاتصال الحديثة على إنجازات الدول المتقدمة حول العالم وتحديداً في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، قد سبب له توتراً حضارياً لا زال يبحث له عن حل.

وقد ترتب على هذه الهزة الحضارية العنيفة انشطار الثقافة العربية الحديثة إلى نصفين متنافرين إلى حد الصراع عبر جميع المجتمعات العربية بلا استثناء، فضحته مؤخراً دون استحياء رياح الربيع العربي الكاشفة، خاصة في النزاع المستمر حول ’هوية‘ الدولة في تلك البلدان.

من الذي يضع

الدين في هذه

المنزلة الأعلى،

ولماذا؟

الشيء الملاحظ في رحلة البحث عن حل هو أن الفريقين المتنازعين قد اتفقا سوياً في استنتاج مدى الضعف والهوان والتخلف الحضاري الذي قد حل بالمنطقة منذ قرون طويلة من الزمن؛ لكنهما في الوقت نفسه مختلفان بشدة حول تشخيص الأسباب المؤدية إلى المرض، والعلاج المناسب للتداوي منه. فبينما يوجه الفريق السلفي أصابع- ومن وقت لآخر قنابل- الاتهام إلى الغرب بأنه هو الذي قد حمل إلى المنطقة ’جين المرض‘ في المقام الأول ثم مكن لأعوانه من أبنائها أنفسهم على توطينه ونشره هناك بجهودهم الذاتية فيما بعد، يرى الفريق الآخر أن العلاج الناجع الوحيد يُصَنَّع في الغرب فقط. فإذا كان الحل من وجهة نظر السلفيين هو بالقضاء على أصل الداء والعودة إلى ’الجذور‘ الإسلامية الأولى، أو ’صحيح  الدين‘ بحسب مفرداتهم الشائعة، في المقابل يرى فريق المجددين أن لا مهرب من استيراد المنجزات الغربية على كافة الصُعُد ومحاولة ’استزراعها‘ بدرجة أو بأخرى في البيئة الإسلامية. هكذا يمكن القول أن جوهر الخلاف الحقيقي فيما بين الطرفين السلفي والإصلاحي ينصب بالأساس على ما إذا كانت هناك جدوى من الأخذ بأسباب الحداثة والتقدم الغربية أم لا. المجددون يقولون نعم، والسلفيون لا.

جمال الدين الأفغاني: ’التوفيق‘ بين محاسن العالمين من وجهة نظرها المتدينة

فيما يخص الموقف التجديدي، محل النظر هنا، الشيء اللافت للانتباه هو أنه لا زال يعمل على معالجة المشكلة من منطلق نفس السلطة التي ينطلق منها السلفيون أنفسهم لكن في وجهة مختلفة- المرجعية الدينية. فهؤلاء ’المجددون‘، من مدلول الكلمة ذاتها، لا يسعون إلى ’خلق‘ أبنية جديدة قادرة على استيعاب مناهج الحداثة الغربية والتعاطي معها وتكييفها حسب ظروف وشروط البيئة الجديدة. على العكس، هم مقتنعون بقدرة البنيان الإسلامي العريق ذاته على استيعاب وتمثل وتكييف هذه المناهج المبتكرة، ومن ثم يكون هو ذاته قاطرة ’النهضة‘ حتى لو اتهمه بعض الغلاة بأنه كان ذات يوم أو لا زال حتى اليوم هو سبب ’تخلف‘ العرب. لا سبيل إلى النهضة في الإسلام إلا من رحم الدين الإسلامي ذاته، أو ربما هكذا يفكر المصلحون والمجددون المسلمون.

من هذا المنطلق الفكري التجديدي، قد توزع المصلحون المسلمون فيما بين مدارس شتى على مدار القرنين المنصرمين، سوف أخص منها بالذكر ثلاثة بارزة فقط في هذا المكان الضيق:

(1) المدرسة ’التوفيقية‘، أشهر دعاتها الشيخان جمال الدين الأفغاني (1838-1897) ومحمد عبده (1849-1905)، التي خلصت إلى حقيقة التقدم المادي الغربي على المسلمين، لكنها لم تسلم له بالتقدم أو السمو الديني والروحاني والأخلاقي والإنساني عليها، ومن ثم نزعت إلى ’التوفيق‘ بين محاسن العالمين من وجهة نظرها المتدينة- نأخذ منهم ما يفيدنا ونترك ما يضرنا. ولا تزال هذه المدرسة الإصلاحية الموصوفة بالوسطية هي السائدة والمهينة والمعترف بها رسمياً حتى اليوم.

الخروج من تحت

سلطة الدين لا

يعني بالضرورة

القضاء عليه

(2) المدرسة التأويلية (الهرمنيوطيقية)، يمثلها الباحث الأكاديمي نصر حامد أبو زيد (1943-2010)، وهي أكثر جرأة في معالجتها للنص الديني، حيث تسعى إلى تفكيك معنى النص وإعادة تفسيره وتأويله في ضوء الواقع والمبتكر الحداثي حتى تنزع أسباب التصادم بين الاثنين، ولا تسلم بخلود النص أو، بدقة أكثر، معناه التاريخي القديم وصلاحيته لكل زمان ومكان كما يفعل التوفيقيون.

(3) المدرسة القرآنية، من دعاتها السوداني محمد محمود طه (1909-1985) والمصري أحمد صبحي منصور (1949-)، وهي تبدي حساسية خاصة إزاء السلوكيات البدائية والفظة والعنيفة غير المتوافقة مع روح العصر لكن ذات السند الصريح في النص الديني سواء في القرآن أو السنة أو التراث الفقهي. ومن ثم قد قامت هذه المدرسة بالأساس على مبدأ وجوب تنقية كافة النصوص الدينية من شوائب البداوة والكراهية والتمييز والعنف...الخ، حتى لو اقتضى ذلك شطب التراث الفقهي القديم كله والاستغناء عن مجمل الأحاديث النبوية والاكتفاء بالقرآن فقط، مع إعادة تأويله من جديد- مثل المدرسة التأويلية- بشكل يواكب العصر. حتى فيما يتعلق بالقرآن ذاته، قد وصل البعض منهم إلى حد المناداة بغض الطرف عن مجمل السور المدنية ذات الطابع التشريعي، الحدودي، الحاد والاكتفاء بالسور المكية ذات الطابع الدعوي اللين.

محمود طه:الاكتفاء بالسور المكية ذات الطابع الدعوي اللين

رغم الاختلافات الواضحة فيما بين المدارس الإصلاحية الثلاثة أعلاه، ثمة حقيقة مؤكدة تبقى مشتركة وموحدة بينها جميعاً في النهاية- جميعها تعمل تحت سلطة ومرجعية ذات النص الديني القديم؛ وأي منها لم تحاول أن تقيم بنياناً مستقلاً بمعزل عنه. بل الملاحظ أنها جميعاً تتنازع فيما بينها على أحقية ملكية نفس البيت القديم- الإسلام- بحجة الترميم والتجديد.

ثمة سؤال ملح بقوة كان ولا زال ينبغي أن يُطرح على هؤلاء المصلحين والمجددين: وفقاً لأي مسوغ يُعطى للدين الإسلامي منفرداً حق احتكار المرجعية لبقية مؤسسات الدولة جميعاً؟ على سبيل المثال، لماذا يتعين على الاقتصاد أن يستأذن من الدين حول ما إذا كانت الفائدة على الودائع البنكية حلال أو حرام، رغم ثبوت جدواها الاقتصادية في جميع الأحوال؟ لماذا يتعين على المشرع، رغم كونه ممثلاً للشعب صاحب السيادة، ألا يصدر تشريعات ’مخالفة لأحكام (أو حتى مبادئ) الشريعة الإسلامية‘؟! من الذي يضع الدين في هذه المنزلة الأعلى، ولماذا؟!

للأسف، قد غاب عن هؤلاء المصلحين الذين لا يشكك أحد في صدق وحسن نواياهم حقيقة أن الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من رحم نظرية شمولية أو ممارسة استبدادية، سواء كانت منسوبة لنص ديني أو مؤسسة اجتماعية أو سياسية. وقد غاب من أفكارهم ونظرياتهم الإصلاحية ذاتها أن الإصلاح لم يبدأ في الغرب ذاته، ولا في أي مكان آخر، إلا بعدما تحررت سائر مؤسسات المجتمع والدولة من سلطة الكنيسة؛ ولم تُقام الديمقراطية إلا بعدما قُسمت سلطة الحكم بالتوازن فيما بين الأفرع الثلاثة التشريعية والتنفيذية والقضائية بحث لا تدعي، ولا تمارس، أي منها نفوذاً على الأخرى أو تزعم بأحقية الرجوع إليها.

إن مقاربة الإصلاح، سواء الديني أو خلافه، لا يجب أن تكون وفق قاعدة ’إما...أو....‘ الشمولية والإقصائية. والخروج من تحت سلطة الدين لا يعني بالضرورة القضاء عليه، إنما فقط التحرر من شموله واستبداده غير المبرر إلى فضاء الأفراد والكيانات المستقلة القادرة على التعايش والاحترام المتبادل فيما بينها- تحت سيادة القانون فوقها جميعاً.