نبيل الحيدرى

لاشك أنّ المرأة قد عانت لعصور طويلة من الظلم والإضطهاد والقهر والإستعباد والإستغلال بمختلف ألوانه وأشكاله. وقد تم تجاهل الكثير من حقوقها فى القوانين والتشريعات والممارسات على مر التاريخ. رغم أن قوانين حمورابى تضمنت 92 قانونا يخص المرأة فيها حقوقها للبيع والتملك والتجارة والوراثة والتوريث من مجموع 282 تمثلها قوانين حامورابى سادس ملوك  وذلك فى عام 1970 قبل الميلاد.

والجدير ذكره تربّع نساء عبر العصور المنصب الأعلى للحكومة والدولة والسلطة كالملوكية وغيرها حيث وصلت سمير أميس فى العصر البابلى إلى السلطة وباتت ملكة لمدة خمس سنوات، وفى عصر الفراعنة وغيره تميزت المرأة ووصلت للحكم والسلطة مرارا وتكراراً. على سبيل المثال لا الحصر فقد حكمت كليوباترا السابعة لمدة عشرين عاما كذلك حكمت شجرة الدر وغيرها. ولكن بعض الثقافات والديانات قد وضعت عناوين غير سليمة لانتقاص المرأة والنظر إليها كرمز للشر والعورة والفتنة والنقص والبلاء. وقد كان لذلك أسباب دينية ثقافية إجتماعية تاريخية، فقد وردت فى الأحاديث الإسلامية والروايات المروية بين السنة والشيعة: (النساء نواقص العقول والإيمان) (إن النساء همهن زينة الحياة الدنيا) (إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن وعزمهن إلى وهن) (خيار خصال النساء شرار خصال الرجال) (المرأة شر كلها) (المرأة عقرب حلوة اللبسة) (إنما النساء عى وعورة فاستروا العورة بالبيوت واستروا العى بالسكوت) (النساء نواقص العقول فشهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، ونواقص الإيمان حيث قعودهن عن الصلاة والصيام أيام حيضهن ونفاسهنم، ونواقص الحضوض حيث للرجل ضعف الإنثيين) (خير للمرأة أن لاترى رجلا ، ولا يراها رجل) (لايفلح قوم ولوا شؤونهم امرأة) (المرأة أساس الشر والمعصية). وأمثالها كثير عاشت فى قلوب البعض أو عقولهم وردّدها رجال الدين فى المساجد وكتبها الوعاظ فى كتبهم مما هيّأ جوا عاما فى العقل الجمعى لما يسمى بالأمة الإسلامية ضد المرأة وحريتها وحقوقها واحترامها.

جزء من تمثال لكليوباترا في متحف أونتاريو الملكي

وإن كنت قد ناقشت سابقا هذه الروايات المأثورة ورددت كل هذه الأحاديث من حيث السند والرواة أولا، وكذلك من جهة دلالاتها بعد دراسة الظروف الموضوعية وقصص وقوعها لو افترضنا صحتها جدلا وافتراضا.  فضلا عن تعارضها مع القرآن كآيات سورة النساء حيث تجعل المساواة فى الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة. وكذلك السنة النبوية والوقائع التاريخية الكثيرة لمن راجع معاملة النبى مع زوجاته كخديجة بنت خويلد التاجرة القوية المعروفة وعائشة بنت أبى بكر وحفصة بنت عمر بن الخطاب  ورملة بنت أبى سفيان وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وسودة وهند وصفية وبرة وميمونة (كلهن زوجات النبى)، وبناته كفاطمة الزهراء وزينب وأم كلثوم ورقية.

والنساء الأخريات وقصص قرآنية كثيرة كخولة بنت الأوس التى حاججت النبى واشتكت إلى الله حتى أنزل الله أحكاما من أجلها ونزولا عند رغبتها لعلاج تلك المشكلة الكبيرة وهى ظاهرة الظهار حتى قال الله فى قرآنه (قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركماإن الله سميع بصير. الذين يظاهرون منكم من نسائهم ماهن أمهاتهم إن أمهاتهن إلا اللاتى ولدنهم) وقد وصل رفض الله لهذه الظاهرة لدرجة قوله تعالى (إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا) وهكذا كانت هذه المرأة وموقفها الشجاع سببا فى حل معضلة كبيرة وظاهرة خطيرة ضد النساء.

إنه موضوع قديم منذ قصة آدم وحواء والتفاحة والجنة وقصة خروجه من الجنة وإغواء حواء له كما فى بعض التراث الذى يروى بأحاديث ضعيفة أن المرأة خلقت من ضلعه الأعوج فأغوته وأخرجته من الجنة؟؟!! وفى الكلام جدال ونقاش فليس كل ما ورد فى التراث صحيح أو أن له قراءة واحدة حتى أن تفاصيل القصة لاتوجد فى كتاب واحد, مما ساد نقلا عن موروث غير ثابت ولا محقق أو لها ظرف خاص ومناسبة معينة تفهم من سياقه وظروفه الموضوعية من العجائب الغرائب التى تجعل المرأة وكأنها شر مطلق وكأن الرجل خير كله، وهذا ما لايقبله عاقل.

أما مجتمعاتنا

العربية فلازالت

هنالك سلطة

ذكورية وثقافة

ذكورية

ناسين أو متناسين فى قبال تلك المرويات أحايث كثيرة مثل (المرأة ريحانة وليست بقهرمانة) (أحب من دنياكم النساء) (دخلت الجنة فوجدت أكثر أهلها من النساء) (إرحموا المرأة ترحَموا) … وكان النبى آخر من يودّعه النساء ويطلب دعاء النساء فيعتبره مستجابا عند الله تعالى. وقصة أم موسى ومريم بنت عمران واضحة جلية فى القرآن توضح قدرهما ومنزلتهما الكبيرتين، فكيف يمكن أن يأخذ بعضهم نَصّاً ينتقيه ويترك النصوص الأخرى.

الحجاب وحبس المرأة واعتبارها عورة هى عادات منقولة لأقوام قبل الإسلام فلا تختص بالمسلمين ولعلها تتعلق بالأعراف والتقاليد فقد جاء عن سقراط (يجب حبس المرأة لأنها عورة) فأخذت منه لا من الدين مما يجعل الحجاب يتعايش مع البلاد وظروفها وأزمانها وأماكنها فقد كان الناس رجالا ونساءا فى الصحارى يغطون رؤوسهم من الحر والتراب وغيره.

كما رأى بعض الفقهاء من القدماء والمعاصرين عدم وجوب ستر الشعر بل الأمر يتعلق بصدر المرأة (فى الآية جيوبهن) والجيب لايشمل الشعر مستدلين بالتراث والأعراف والقرآن والسنة ومن المعاصرين زكى بدوى وحسن الترابى وحسين فضل الله وغيرهم.

أما الغرب فقد حصلت المرأة فى أمريكا مثلا على حق الإنتخاب عام 1924 وفى بريطانيا عام 1945 وغيرها ثم تجاوزتها إلى مراحل وقد تطورت الأمم والثقافات والتشريعات خصوصا بعد الإعلان العالمى لحقوق الإنسان فى 10/12/1948 حيث بدأت المرأة تأخذ حقوقها شيئا فشيئا حتى وصلت مثل السيدة ماركريت تاتشر إلى رئاسة حزب المحافظين سنة1975 ثم منصب رئاسة الوزراء منذ 1979 وحتى 1990 فترة طويلة متميزة ولقبت آنذاك بالمرأة الحديدية وأثبتت قدراتها السياسية والإدارية فقد أصبحت أول قيادة سياسية فى تاريخ بريطانيا تكسب ثلاثة إنتخابات وطنية متتالية ومتلاحقة.

مشكلة قديمة: تفصيلة من صورة "آدم وحواء" للرسام لوكاس كراناتش (1472-1553)

أما مجتمعاتنا العربية فلازالت هنالك سلطة ذكورية وثقافة ذكورية فيها تمييز ومحاباة للرجل ضد المرأة وهذا ما أظهرته أيضا الدراسات الأدبية فى القصص والروايات والأفلام والتراث وهى تكشف بألم ومرارة عن الإزدواجية فى التعامل مع المرأة، كزوجة وحبيبة تارة، وكبش فداء وملك فردى أشبه بالإستعباد تارة أخرى. فشتان بين أمينة عند إحسان عبد القدوس وأمينة عند نجيب محفوظ، وكتابات طه حسين وقاسم أمين وهدى الشعراوى ومصطفى أمين وشبلى شمل، لذلك نقد محمد قطب رواية (اللص والكلاب) لنجيب محفوظ فى جدلية الخير من خلال الشر وحركته فى الرواية حيث تسوق المتابع إلى التعاطف مع الظروف والمحنة.

وإذا نظرنا إلى التشريعات الحديثة بصالح المرأة نظريا فإن الممارسة منقادة للتقاليد والأعراف فى التمييز ضد المرأة لذلك لاتصل المرأة إلى المناصب العليا رغم الحديث المطنب عن أهميتها ودورها وقدراتها. وقد أجبر الواقع حتى المتشددين والمتطرفين ومن لايؤمن أصلا بحقوق المرأة، بالحديث عن حقوق المرأة لكى لا يرمى بالتحجر والإنغلاق والتخلف الذى ترفضه الحياة والعلم والواقع والمدنية، مما يثير كثير من الأسئلة حول مصداقية الشعارات التى يستخدمونها حول المرأة وحقوقها وحرياتها الوهم والواقع، الشعار والممارسة، الشكل والحقيقية.

أراد البعض التحجير على المرأة وحبسها فى الدار لتكون أمة له يستعبدها لكن الحياة قد تطورت وأن العالم يرفض العبودية وأن المرأة قد تعلمت وتنورت وناضلت ومعها رجال مؤمنون بها وبحريتها وتحررها فالحياة تكتمل بتلاقح الجنسين وأحدهما يكمل الآخر، كما قال الزهاوى:


وكل جنس له نقص بمفرده

أما الحياة فبالجنسين تكتمل