رياض حمَّادي

ازدواجية الشخصية العربية الإسلامية والتأرجح بين الماضي والحاضر يتضح من خلال أقوال بعض المعاصرين في وصف هذه الشخصية. وما يهمنا هنا هو تتبع تلك الصفات التي تقف عائقاً أمام التقدم.

يقول موشي دايان , وزير الدفاع الإسرائيلي السابق في أثناء حرب حزيران 1967:

"يميل العرب إلى خداع أنفسهم وخداع غيرهم, وهم يقومون بذلك عن غير عمد. فهم يميلون دائماً إلى التحدث عن أمجاد الأجداد .. عن صلاح الدين .. عن معارك حطين واليرموك .. وبينما يفعلون ذلك فإننا نبتسم لأنهم يرون أنفسهم في مرآة أمجاد الماضي, أما نحن فنراهم في مرآة الحاضر .. ليتهم يسألون أنفسهم لماذا يتحدثون دائماً عن عظماء ماضيهم ولا يجدون في حاضرهم أحداً من العظماء يتحدثون عنه"(1).

ياسومازا كورودا: "حضارة تبدو أنها تعمل ضد المصلحة العربية"

ويقول ياسومازا كورودا , الأستاذ الياباني الأصل في جامعة هاواي بهونولولو : "إن العرب يملكون تراثاً غنياً جداً, حضارة تبدو, إلى حد ما, أنها تعمل ضد المصلحة العربية. فقد كان اليابانيون, الذين لم يطوروا على الإطلاق الحضارة الرفيعة المستوى التي طورها العرب أو الصينيون في الماضي, قادرين على تقبل العلوم والتكنولوجيات الغربية الجديدة باستعدادية أكبر من استعدادية العرب أو الصينيين . ويبدو أن اليابانيين طوروا حاسة الموازنة بين ثقتهم بأنفسهم والتعقيد الداخلي بالنسبة للغرب لصالح الأمة ككل . وربما يستفيد العرب أيضاً إذا استطاعوا أن يطوروا بحكمة, الاعتزاز الكافي بتراثهم, ولكن دون أن يتركوا كبريائهم يقف عائقاً في وجه عملية تطورهم الذاتي" (1).

ويقول رياض نجيب الريس : "العجيب أن العرب لا يقدرون على الانفصال من الماضي أو التنكر له, ولا يقدرون كذلك على أن ينفصلوا من الحياة, فظلوا معلقين في الجسر المعلق بين الحياة والماضي . هذا الوضع الشاذ جعلهم يتسامحون كثيراً مع من ينتقد حياتهم, ولكنهم يرفضون التسامح مع من ينتقد تاريخهم . على هذا الأساس ظل التناقض قائماً وحاداً بين صراعهم الحضاري من أجل التقدم وبين تقديسهم لتاريخهم . وظلت جاذبية التاريخ أقوى من قوى التقدم الحضاري" (1).

وتأكيداً على هذا التثبيت على الماضي وأخطاره التي تشل الحركة باتجاه المستقبل يقول جمال الدين الأفغاني : "العربي معجب بماضيه وأسلافه وهو في أشد الغفلة عن حاضره ومستقبله وكيف يجب أن يكون".

التقدم مرهون

بتحلي العرب

والمسلمين بالقيم

الحضارية

أمثلة أخرى على ازدواجية الشخصية العربية الإسلامية تتضح من خلال إسقاط سلوكياتها على الآخر. وهو إسقاط يصدر من عقلية تشعر بالنقص حين تتهم الغرب بالإباحية وتفعل في السر ما تخفيه في العلن "وتفعله وهي متلصصة متخفية لا كحق أو شعور طبيعي , تسرق الحياة التي سلبت منها وهي حقها ونصيبها". يقول حسن حنفي : "لقد اعتبرنا حياة الأوروبيين إباحة والحقيقة أننا نحسدهم على حياتهم ونتمنى أن نحيا مثلهم , واعتبرنا سلوكهم رذيلة ونحن نشمئز من فضائلنا ونتستر بها على الرذائل , وأصبحت الإباحة لدينا إلى الداخل لا إلى الخارج , وبذلك كنا أقرب إلى الفساد الباطن منا إلى الفضيلة الظاهرة . أصبحت لدينا شخصيتان : الأولى هي الباطن تشدنا إليها ولا نقوى على التصريح بها , والثانية هي الظاهر نتمسك بها ونعلن عنها وهي مجرد ستار لا أثر لها ولا قوام" (2) .

هنا نتساءل : على من تقع مسئولية التخلف ,على عاتق العرب أم الإسلام , على النظرية أم على التطبيق ؟!

يرى هيجل أن المشكلة تكمن في طبيعة الدين السائد, فالنظام الفلسفي الهيجلي "يؤكد أن الدولة في عالم ما لا يمكن أن تكون إلا انعكاساً لطبيعة الدين أو الروحانية الدينية السائدة في ذلك العالم. فالدولة هي الناتج المباشر للدين" يقول هيجل موضحاً ذلك: "عندما نقول بأن الدولة تتأسس على الدين وأنها تمد جذورها فيه فإننا نقصد بذلك جوهرياً بأن الدولة تخرج من الدين وأن كل دولة محددة هي نتاج حتمي لدين محدد" (3).

فرانسيس فوكوياما: ما يحتاجه العالم الإسلامي هو "صيغة إسلامية للديموقراطية المسيحية"

ولما كان الدين الإسلامي يشيع الخوف والطاعة لدى المؤمن حيال الله، فان الدولة التي تخرج من هذا الدين لابد أن تكون وفق المنهج الهيجلي دولة خوف وطاعة هي أيضاً. وهذا الخوف وتلك الطاعة الموجهة نحو الله في الدين، تتوجه ضمن الدولة الإسلامية نحو الحاكم. يقول هيجل عن الدولة الشرقية التي يعتبرها جميعاً وبالضرورة دولاً استبدادية: "إن ما يهيمن في الشرق هو الاستبداد. فالإنسان إما خائف ومتردد أو يسيطر عليه عبر إشاعة الخوف. فهو إذن إما سيد أو عبد. وبكلمة , إن الخوف هو الذي يحكم الشرق" (4).

يمكن تخفيف حدة الحكم السابق بالقول أنه وصف لطبيعة الدولة الشرقية والإسلامية في ظروف زمنية معينة, وأن فلسفة هيجل حول طبيعة العلاقة الوثيقة بين الدولة والدين تترك الباب موارباً من أجل إعادة فهم الدين الإسلامي بما يسمح تحقيق علاقة تصالح لا تصادم بين الدولة والدين.

يقلل فرانسيس فوكوياما من قيمة وجود عراقيل دينية أمام التحديث ويعطي أهمية للعراقيل الثقافية قائلاً بإمكانية وجود "اختلاف بين ثقافة سياسية عربية قائمة بذاتها وثقافة إسلامية شاملة في ظل وجود حالات ناجحة وإن كانت قليلة في مجال التنمية الاقتصادية ، أو قيام تجارب ديموقراطية في دول ليست عربية إسلامية. فتركيا مثلا تتمتع بديموقراطية ناجحة نسبيا، كذلك الأمر في إندونيسيا وماليزيا اللتين تشهدان توسعا اقتصاديا سريعا. وقد تكون هناك عراقيل ثقافية في وجه التحديث لكنها ليست مرتبطة بأي رباط مع الدين" (5) .

يقصد فوكوياما بحديثه عن الدين, نسخته الممكنة لا السائدة, وهو في سبيل إثبات ذلك يستشهد بالتاريخ الأوروبي, ففي أوروبا، "كانت الكنسية الكاثوليكية في حالات عدة حتى الستينات من القرن الماضي خصما للديموقراطية المعاصرة. وخلال الحرب الأهلية في إسبانيا، كانت الكنسية الكاثوليكية في صفّ الفاشيين، ولم تحقق المصالحة مع الديموقراطية إلا مع ظهور الديموقراطية المسيحية المعاصرة في ايطاليا واسبانيا ودول أخرى".

"أزمتنا هي في

تهميش الإنسان

وحضور الله"

لذلك يعتقد فوكوياما أنّ ما يحتاجه العالم الإسلامي حقيقةً هو "صيغة إسلامية للديموقراطية المسيحية تسمح للمواطنين بالتعبير عن تطلعاتهم الدينية في إطار سياسي، ولكن بما يتمشّى مع التعددية والتسامح ومن خلال منافسة دستورية مسالمة بين مختلف وجهات النظر، وبمعنى آخر , ديموقراطية يكون فيها مجال لتأثير الدين كما هي الحال في أوروبا المعاصرة" (6).

وبالمجمل فإن فوكوياما متفائل بمستقبل العالم العربي لأنه, كما يقول, يمر حالياً بحقبة أزمة حقيقية قبل التوصل إلى تطبيق إصلاح حقيقي. ويعتقد بأن الأزمة هي في مرحلتها الحاسمة وقد تشهد الأوضاع مزيدا من التردّي قبل أن تبدأ بالتحسن. لكنه يعتقد أنّها ستكون في نهاية المطاف قاعدة لانطلاق التغيير.

هذا التفاؤل عند فوكوياما, كما هو عند برنارد لويس وجورج طرابيشي, مرهون بالربط بين توأمين هما : العلمانية والديموقراطية. يقول برنارد لويس واصفاً محاولة نقل الديموقراطية إلى منطقة الشرق الأوسط بأن الديموقراطية "ستظل نبتة غريبة وذابلة عند شعوب الشرق الأوسط بسبب ثقافتهم السياسية التي تحل فيها قيم الطاعة والإيمان والجماعة بدل الحرية والمواطنة والفردية وأنه لا مستقبل للديموقراطية إذا لم تكن مصحوبة بقرينتها العلمانية" (7).

حسن حنفي: "كنا أقرب الى الفساد الباطن منا إلى الفضيلة الظاهرة"

غلق جميع الأبواب التي يمكن أن تهب منها رياح النهضة, أو نسائمها, لا يعني أن إحكام غلقها حتمي, فنحن متفقون على ضرورة فتح باب النهضة لكننا مختلفون على بابها. ومعرفة باب النهضة الحقيقي ومن ثم فتحه يتطلب إجماع على قانون الحضارة الحديثة والمعاصرة. فإذا كنا قد فشلنا في الولوج إليها من باب المشروع القومي وأخطأنا الوصول إليها من باب الإسلام السياسي فقد آن الأوان لفتح باب الحداثة.

هناك مؤشرات من تاريخ الآخر يمكن ان تكون علامة تفاؤل, فحتى العام 1960 لم يكن من الممكن في دولة متقدمة كبريطانيا نشر الطبعة الكاملة من رواية عشيق الليدي تشاترلي ولا كتاب الكاماسوترا. وعندما نُشرت لأول مرة الطبعة الكاملة من الرواية قامت ضجة كبرى وعُقدت محاكمات واستدعي الشهود, لكن النتيجة في الأخير كانت لصالح حرية الفكر. أما كتاب الكاماسوترا الهندي فقد نشر في لندن لأول مرة علناً عام 1963. يقول مترجم الكتاب في مقدمة ترجمته للغة الإنجليزية : "قبل أربع سنوات قصيرة مضت كان من المستحيل تماماً أن ينشر هذا الكتاب المشهور علناً في بلادنا الحرة المستنيرة . وكان آنذاك يدرج دون أي مبرر ضمن قائمة الكتب التي تتحدث عن الأعمال الإباحية pornographic works" . عندما نعلم كل هذا نعرف أن ثمة عوالم متعددة و إمكانات للواقع البائس تكمن في التعددية والفردية والفن والعقلانية باستطاعتها أن تقود الإنسان من هذه العدمية الميتافيزيقية السلبية إلى استقلالية إيجابية نشطة.

كما أن قيام حضارة إسلامية بمساهمة كبرى من العلماء المسلمين, من قوميات غير عربية, بدون إسهام فعال من جانب العرب, لا يجعلنا نخلص إلى نظرية حتمية تفيد أبدية التخلف العربي. فالتقدم مرهون بتحلي العرب والمسلمين بالقيم الحضارية وقبول الآخر والإيمان بالتعددية وأن يعوا بأن الدول تبنى على أساس المواطنة لا على أساس الإيمان, كما هو مشروط بالنظر إلى قيمة المفاهيم الحضارية لا إلى مصادرها, والتخلي عن العادات والتقاليد البالية التي تمجد الخرافة, واعتماد الفلسفة والتفكير العقلي والبحث العلمي وإعادة فهم الإسلام بعيداً عن منطق الحق والباطل والتخلي عن امتلاك الحقيقة اليقينية المطلقة.

أزمتنا, كما عبّر حسن حنفي, هي في تهميش الإنسان وحضور الله, في  حضور الفكر اللاهوتي في عقليتنا وغياب الفكر الإنساني, لذلك فإن عتلة المشروع النهضوي تكون بتغيير المراكز, من مركزية الله إلى مركزية الإنسان , وبحضور نزعة إنسانية يسترد فيه الإنسان قدرته على العلم والفكر الخلاق.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

(اقرأ الجزء الثاني من المقالة)

______________________

1)     جورج طرابيشي , المثقفون العرب والتراث , ص 76 – 77

2)     السابق , ص 156-157( نقلا عن كتاب حسن حنفي : في فكرنا المعاصر ص 70 – 71)

3)     حسين الهنداوي , هيجل والإسلام , لوثـرية فـي ثوب فلسَفي , مجلة نزوى , العدد 75

4)     السابق

5)     النهار أونلاين , حوار مع فرانسيس فوكوياما , المطلوب صيغة إسلامية للديموقراطية – المسيحية - أجرى الحوار سام منسّى , واشنطن

6)     السابق

7)     السابق