طلعت رضوان

تعرّض كثيرون من الفلاسفة للاضطهاد. وأثبتتْ وقائع التاريخ أنّ هذا الاضطهاد تم بتحالف المؤسسات السياسية مع المؤسسات الدينية. وكانت واقعة إعدام الفيلسوف اليونانى سقراط بداية هذا الموقف العدائى من الفلسفة، خاصة إذا علمنا أنّ التهمة الموجّهة لسقراط هى ((إفساد عقول الشباب والترويج للآلهة الأجنبية)) هذا الإتهام يدل دلالة قاطعة على تحالف مؤسستىْ الحكم والدين،

المؤسسة الأولى تحجّجتْ ب ((إفساد عقول الشباب)) لمجرد أنّ سقراط كان يبذر فى عقول مستمعيه أهمية التفكير الحر، وعدم التسليم بكل ما يقال، ورفض تصديق أية ثوابت إلاّ بعد إعادة النظر فيها إلخ أما تهمة ((الترويج للآلهة الأجنبية)) فهى من صياغة مؤسسة الدين التى تحرص على الأحادية وتـُعادى التعددية. والنتيجة عدم التعرف على معتقدات الشعوب الأخرى.

استمر الاضطهاد إلى أنْ وصل ذروته فى العصرالوسيط فى الغرب والشرق. وهذا الاضطهاد أخذ عدة أشكال ما بين رفض المُنجز العلمى مثلما حدث مع كوبر نيكوس وجاليليو، إذْ أثبتا أنّ الأرض مجرد كوكب فى المجموعة الشمسية. وهذا يُخالف ما جاء بالكتب التى يُقدّسها رؤساء الكنائس. ووصل الارهاب الفكرى (فى الشكل الثانى للاضطهاد) لدرجة إحراق بعض الفلاسفة أحياءً كما حدث مع العالم والفيلسوف جوردانو برونو الذى أحرقه القساوسة الأتقياء فى ميدان روما مع مطلع عام 1600لمجرد أنه أيّد نظرية كوبرنيكوس وجاليليو، ودعا البشرية إلى العودة لديانة مصرالقديمة لما تنطوى عليها من التسامح والتعددية (قبل كارثة أخناتون)

جوردانو برونو: ضحية الارهاب الفكرى

وما حدث فى أوروبا تكرّر فى الخلافة الإسلامية. والأمثلة كثيرة وإنّ كنتُ أرى أنّ أبشعها ما حدث مع ابن المقفع وصديقه عبد الحميد الكاتب. ففى أثناء فترة الخلافة العباسية، كان المطلوب إعدام عبد الحميد الكاتب. كان ابن المقفع مع عبدالحميد فكان الموقف النبيل منهما عندما صرّح كلاهما أنه عبدالحميد الذى تم التعرف عليه، فأخذه الحراس ليلقى حتفه بصورة بشعه إذْ كان قتله بوضع طست محمى على رأسه. ظلّ هذا الطست يصعقه ببطء شديد (ليطول زمن التعذيب) حتى فارق الحياة. أما ابن المقفع بعد أنْ نشر رسالته المُعنونة (رسالة الصحابة) وأرسلها (بسذاجة منه) إلى الخليفة إبى جعفر المنصور((كرسالة من ناصح أمين لايُريد غير الإصلاح)) فكيف يجرؤ على إرسال هذه الرسالة للخليفة الذى يعتبر نفسه ((ظل الله الممدود فى أرضه إنْ شاء بسطه فأعطى، وإنْ شاء قبض فأمسك)) انتقد ابن المقفع فى رسالته فقهاء السلطة الذين روّجوا لآلية الطاعة المُطلقة للخليفة والولاة. وأنّ الرعية (الجماهير وفق المصطلح الحديث) ليس لها حق محاسبة الخليفة أو ولاته إلخ فكانت الطامة الكبرى. فتم تقطيع جسد ابن المقفع قطعة قطعة وهو ينظرإلى أعضاء جسده وهى تـُلقى فى النار.

وتتوالى أحداث العداء لكل فكر حر، فنجد صلاح الدين الأيوبى يأمر ابنه الظاهر سلطان حلب بقتل الفيلسوف السهروردى (1153- 1191) لمجرد أنه كان يتبع لغة رمزية تستمد ألفاظها من الحكمة الفارسية القديمة ومقابلتها بين الظلام والنور. وتم قتل الحسن بن منصورالحلاج (858- 922) المولود بفارس ودعا للزهد وزار تركستان ومكة. واستقر ببغداد وشرح مذهبه فى كتاب الطواسين وقال بإمكان الاستعاضة عن الفرائض الخمس بشعائر أخرى (= إسقاط الوسائط) وقال بحلول اللاهوت فى الناسوت فيُصبح الولى الدليل الذاتى الحى على الله (هو هو) ومن ثم قال (أنا الحق) وحاول التوفيق بين الدين والفلسفة اليونانية على أساس من التجربة الصوفية، فأتهم بالكفر. وبعد سجن دام سبعة شهور، صدرالأمربقتله، فتم تقييده وضربه بالسياط ثم صلبه وقطع رأسه وحرق جثمانه. وبرغم إجماع القضاة على تكفيره اعتبره المواطنون البسطاء من الصالحين.

الخلافة الإسلامية

خلافة دموية

وخلافة قهر فكرى

وإذا كان الخلفاء فى الدولة العربية / الإسلامية اضطهدوا الفلاسفة إلى حد القتل، فإنّ كثيرين من الفقهاء والمؤرخين الإسلاميين اشتركوا فى الجريمة عندما إتهموا المُخالفين لرؤيتهم بالكفر، مثلما حدث مع ابن عربى (1165- 1240) مؤلف الفتوحات المكية وكتابه (ترجمان الأشواق) الذى أثارعليه الفقهاء بدعوى الزيغ والضلال، وإتهموه بإستعمال الرمز كستار لإخفاء ما يُنافى الدين. وأنه أشاع المذاهب الضالة فى الاتحاد والحلول ووحدة الوجود. وكان من بين الذين كفــّروه ابن تيميه وابن خلدون وابن حجر العسقلانى. وفى القرن الثانى الهجرى (الثامن الميلادى) بدأتْ حملة الخليفة المهدى على من أطلق عليهم (زنادقة) فأمر عبد الجبّار المُحتسب بالقبض عليهم جميعًا ثم أمر بقتل بعضهم وتمزيق كتبهم. وكان يتم القبض عليهم لأقل شـُبهة ويُطلب منهم أنْ يستنكروا أفكارهم فإنْ فعلوا تم إطلاق سراحهم أويُقتلوا إذا رفضوا. ولأنّ بعضهم كان يتبع مذهب المانوية، فكان الخلفاء يُجبرونهم على البصق على صورة (مانى) وذكر بعض المؤرخين أنّ الإتهام ب (الزندقة) كان يتم لأسباب سياسية.

إذْ إتخذ الخلفاء من هذا الإتهام وسيلة للقضاء على خصومهم من الهاشميين. وهوما فعله الخليفة الهادى الذى قتل كل من داود بن على ويعقوب بن الفضل. وذكرالطبرى (ج3ص487) أنّ إتهام الوزير عبيد الله بالزندقة كان يقصد به زعزعة مركزأبيه عند الخليفة المهدى. والخليفة المأمون بدلامن أنْ يهتم بإصلاح أحوال المواطنين والعمل على النهضة (البحث عن أساليب للزراعة وتطوير الحرف اليدوية) انشغل بمناظرة من أطلق عليهم (زنادقة) فكان يُناقش بعضهم بنفسه. فيلقى سؤالا فإنْ فشل المسكين فى الرد أمر بقتله. وكان إتهام الشاعر بشار بن برد بالزندقة لمجرد أنه كان يُدافع عن ثقافته القومية (الفارسية) وعن جدوده إذْ قال (هل من رسول مُخبر عنى جميع العرب/ من كان حيًا منهم ومن ثوى فى الترب/ جدى الذى أسمو به / كسرى وساسان أبى))

اعدام الحسن بن منصورالحلاج

وإذا كان الاضطهاد طال الفلاسفة والشعراء فقد طال الفقهاء أيضًا مثلما حدث مع أبى حنيفة النعمان لمجرد أنه أيّد ثورة زيد بن على زين العابدين على الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك الذى اضطهد العلويين من بنى أمية. فأفتى بأنّ الثورة على ملك الأمويين جائزة شرعًا. وتعرّض لمحنة أخرى عندما عرض عليه ابن هُبيرة أنْ يعمل لديه ويفتى لصالحه. فرفض أبو حنيفة وقال له ((كيف أقبل هذا العمل؟ تأمرأنت بقتل إنسان ظلمًا أومصادرة ماله. وأختمه أنا فيُقتل هذا الإنسان ويُصادر ذلك المال. هذا لن يكون أبدًا)) فأمر ابن هُبيرة بسجنه وضربه كل يوم عشر جلدات. وفى العصر العباسى تكرّرنفس الشىء عندما رفض أبوحنيفة التعاون مع الخليفة أبى جعفر المنصور الذى أمربحبسه وجلده كل يوم عشر جلدات. وتكرّر نفس الشىء مع أحمد بن حنبل فى محنة (خلق القرآن) وانتهت بسجنه طوال 28 شهرًا كان يُضرب بالسياط حتى يُغمى عليه ويُنخس بالسيف فلا يحس. أما الجعد بن درهم الذى قال بأنّ القرآن مخلوق ومُحدث، فأتى به الوالى الأموى خالد بن عبد الله القسرى إلى مسجد الكوفة مُقيدًا بالأغلال يوم عيد الأضحى وبعد أنْ صلى وخطب قال فى آخر خطبته للناس ((اذهبوا إلى بيوتكم وضحوا أما أنا فإنى أريد أنْ أضحى بالجعد بن درهم. فإنه يقول إنّ القرآن مخلوق وأنّ الله ما كلم موسى ولا اتخذ إبراهيم خليلا)) ونزل من على المنبر وقتله بأنْ أطاح برأسه بعنف بحد سيفه. لذا لم تكن مبالغة القول بأنّ الخلافة الإسلامية خلافة دموية وخلافة قهر فكرى واعتمدتْ على نهب موارد الشعوب التى تم احتلال أراضيها.

المُفارقة أنّ أوروبا تخلصتْ من الارهاب الفكرى والعداء للفلسفة بفضل المُقاومة الجادة التى قادها فلاسفة من طراز فولتير الذى كتب ((من يقل لك أومن بما أومن به وإلاّ لعنك الله. لايلبث أنْ يقول لك أومن بما أومن به وإلاّ قتلتك)) ويكتب الفيلسوف (كانت) أنّ الظواهر أو المُعطيات التجريبية فى إطار الزمان والمكان هى وحدها موضوع المعرفة الإنسانية. بينما (الإله) ليس موضوعًا للمعرفة. وعلى الجانب السياسى نجد فلاسفة يُدافعون عن ضرورة الفصل التام بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقانونية) ومن خلال هذا النضال الفكرى تم تحييد دور الكنائس فلم تعد لها أية سلطة على الحياة الدنيوية للبشر المسئولين عن وضع القوانين المُنظمة لحياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبالتالى نهضتْ أوروبا بتقدّم العلم وترسيخ قيمة الحرية. بينما استمر دور الكهنوت الدينى الإسلامى فى الدول العربية يفرض رؤاه حتى لحظتنا الحاضرة فنجد من يُكفرون من يقول بكروية الأرض ونحن فى القرن 21 الميلادى ومن يفتى بعدم نقل الأعضاء فهذا يؤخر لقاء الإنسان بربه إلخ. ونتيجة العداء للفلسفة ظهر شيخ شهير فى التليفزيون المصرى وهاجم صعود الإنسان إلى القمر، وسخرمن العلم الحديث. وفى مناهج التعليم الثانوى الأزهرى تحريض ضد الفلسفة إذْ ساوى المؤلف بين كتب الفلسفة والشعوذة، والنتيجة استمرار التخلف الحضارى. لذا أرى أنّ أية نهضة مصرية أوعربية لن تتم إلاّبعد التخلص من العداء للفلسفة وإلاّبعد تحرير الأبحاث العلمية من سطوة الكهنوت الدينى الذى يضع السدود والحواجز لمنع العقل الحر من الانطلاق نحو مجتمع إنسانى أرقى.