جمال عبد الرحيم عربي

بالتأكيد لن تكون أحداث الكويت وتونس وفرنسا يوم الجمعة الأغبر الموافق 26 يونيو 2015، واحداث 13 نوفمبر في باريس, والتي نفذتها الجماعات السلفية التكفيرية الجهادية، مجرد أحداث عارضة أو نهاية لحمامات الدم التي تتم باسم الإسلام؛ طالما استمر ألق هذه الفكرة الشريرة ولمعانها في عقول الناس وتغلغلها في أفئدتهم، وخاصة الشباب.

بل أن الإحتمالات الأكبر تشير إلى الأسوأ ما لم ينتبه قادة العالم إلى الجذور الحقيقية لنشؤها وتطورها. فإحتمالات تمددها وإنتقالها لمواقع أخرى أعظم من إحتمالات إنكماشها وتراجعها، حيث لم يكن من المستغرب أو من أبواب المصادفة بالنسبة للراصد المدقق أن تُضرب الكويت المسالمة، وإنجمينا الهادئة والبعيدة في قلب القارة الأفريقية في وقت مقارب، وذلك للمرّة الأولى في كليهما؛ مما يؤكد ويثبت أن مسرح عمليات هذه الجماعات مفتوح للآخر أفقياً ورأسياً، وكل الإحتمالات قائمة، وما حوادث باريس وبوسطون بالولايات المتحدة ببعيدة عن الأذهان.

لقد أخطأ العالم كثيراً في تقييمه لأهداف الجماعات الجهادية بالنظر إليها باعتبارها أدوات تصنعها أجهزة الإستخبارات بمختلف مسمياتها لتحقيق أهداف تخص هذه الأجهزة. وهو أمرٌ تأكد خطأه بعد زمن طويل، حيث وضح أن هذه الجماعات تعمل لمصلحة تمكين نفسها، وأنها هي التي نجحت في تضليل أجهزة الإستخبارات والإستفادة من إمكاناتها، بل والسخرية منها لدرجة توجيه ضربات موجعة لها في مواطن هذه الأجهزة نفسها!

الكويت في 26 يونيو 2015: آثار تفجير مسجد شيعي

بقدر خطأه في معرفة أهدافها، أخطأ العالم أيضاً في تحليل أسباب نشوئها وتمددها الكمّي والنوعي، حيث ذهبت بعض التحليلات إلى عزو ذلك لقضايا الفقر وضيق الفرص أمام الشباب العربي، ونحى بعضها  إلى تأويل الأمر باعتباره نتاجاً لتحكّم الطغيان وما صاحبه من إختناق سياسي في دول الشرق الأوسط، وتبنى بعضها الآخر حجة إزدواج معايير الغرب في التعامل مع القضية الفلسطينية.

بيد أن التحليل المتعمّق لمئات الأحداث التي تسببت فيها الجماعات الجهادية السلفية لابد أن يصل إلى أن هناك عامل مشترك واضح وهو الفهم السلفي الجهادي للدين الإسلامي. حيث ليس هنالك خيط غير ذلك يمكن أن يربط قتل تلاميذ المدارس في باكستان ونيجيريا وتفجيرات شوارع بوسطون ومومباي ومسارح موسكو ومساكن الآمنين في الخبر وقطارات لندن ومدريد ومتاجر باريس وفنادق عمان ومقاهي القاهرة ومعالم تونس وآثار أفغانستان، وغيرها وغيرها. بل حق لنا، ولنبين هذه الحقيقة، أن نسأل: ماهو المبرر والغاية والهدف لمغامرات الملا عمر بأفغانستان وغزوات أبوبكر البغدادي في الشام، والتي اختار لها مسرحاً جغرافياً، ويا لسخرية الأقدار، بعيداً عن إسرائيل؟ هل لديهما رؤية واضحة المعالم أو برنامجاً ظاهراً غير القتل والسحل بحجة نسخ الدولة الإسلامية الأولى على عالمنا، تلك الدولة التي إنتفت شروط تكرارها لأسباب موضوعية يدركها حتى متوسطي المقدرات الذهنية؟

المصادر الفكرية

للتنظيمات الإرهابية

تكمن في قاع

ثقافتها الجمعية

إن أيّ تأمّل منصف لكلّ هذه الأحداث، وايّ قراءة عميقة للخطابات الفكرية والسياسية لهذه الجماعات، لابد أن يصل لنتيجة مفادها أن لها مصدراً فكرياً ذا صلة وإرتباط بشكل أو آخر بالمدارس الإسلامية السلفية الإنكفائية التي تنظر لقضايا العالم المعاصر بمناظير القرن السابع الميلادي بدون إعطاء أي إعتبار للتطورات الهائلة في حياة الإنسان من جميع النواحي، وبدون إحترام لمبدأ أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان؛ تلك الصلاحية التي تفترض التطوير المتواصل لمنظومة الفقه، وعدم الوقوف عند عتبة ما أنجزه السلف الصالح الذين إجتهدوا في زمانهم وخلقوا الإنسجام المطلوب والضروري بين مقتضيات الدين ومصالح الناس في ذلك العهد. لقد فشلت المدارس السلفية التقليدية المعاصرة في تطوير ما أنجزه السلف من قوالب وقواعد. بل تم في الواقع، ويا للأسف،  تثبيت تلك القواعد، وإضفاء قدسية عليها تشابه تلك المعطاة للقرآن والسنة. هذا على الرغم أن قضايا البشرية تعقدت وتنامت، وإحتياجات الناس الروحية والعقلية والمادية إختلفت من تلك التي بنيت على ضؤئها قواعد الفقه التقليدي قبل مئات الأعوام.

لقد أدى ذلك الفهم لبروز مجموعات الإسلام السياسي بمختلف أشكالها، كحركة الأخوان المسلمين التي إتبعت الأسلوب الإنتهازي فخدعت الناس بامتلاكها لبرنامج فكري طموح له المقدرة على التصدي لمأزق الحداثة الذي يواجهه المسلمون، بيد أنها أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن الدين عندها ليس سوى وسيلة للسيطرة على السلطة والتحكم في حريات الناس وحقوقهم باسم الدين. وكل ما أنجزته تلك الحركة، في الواقع، أنها زودت السلفية التقليدية بالقدرات الحركية والتنظيمية والتي ولّدت في نهاية المطاف هذه الجماعات السلفية التكفيرية الجهادية.

جزء من الخيط الرابط: الهجوم على فندق تاج محل بالاس في مومباي، الهند

وفي هذا يجوز لنا وبكل هدوء أن ننسب للغرب قدراً كبيراً من المسئولية في جهل العالم بأهدافها وجذورها الحقيقية؛ نسبة لماكينة المعلومات الهائلة التي يملكها، والقدرات البحثية والعلمية التي لا يمكن مضاهاتها بما عند سواه، هذا إضافة لدوره الرئيسي في توجيه الأعمال السياسة والعسكرية والأمنية على مستوى كل الكوكب.

على كلٍ، فالنتيجة أنه ومثلما أخطأ العالم الغربي في فهم أهداف هذه الجماعات وأسباب نشوئها، تخطئ بوصلته الآن أيضاً في تحديد إتجاه محاربتها. بيد أن محاسن الصدف إختارت أن يأتي الحل من الدول العربية نفسها. ربما لأنها الأكثر تعرضاً لخطرها، وربما لأن المصادر الفكرية للتنظيمات الإرهابية تكمن في قاع ثقافتها الجمعية.

فقبل وقت ليس بالبعيد، وفي مقالة بالغة الأهمية للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ 28/9/2014، وهو يمثل هنا دولة الإمارات العربية المتحدة التي نجحت في تحقيق أفضل صيغة معاصرة لمعادلة الأصل والعصر، يقول الشيخ محمد بن راشد بأن: "داعش ليست منظمة إرهابية فقط، بل هي فكرة خبيثة. الآيديولوجيا التي قامت عليها داعش هي نفسها التي قامت عليها القاعدة وهي نفسها التي قامت عليها أخوات القاعدة في نيجيريا وباكستان وأفغانستان والصومال واليمن وفي بلاد المغرب العربي وفي بلاد الجزيرة العربية، وهي نفسها التي بدأت تضع بذورا لها في أوروبا وأميركا وغيرها من بلاد العالم". مضيفاً: "البنية العسكرية للتنظيم يمكن هزيمتها خلال الفترة القريبة المقبلة بالإمكانات المتوفرة لدى التحالف الدولي الجديد، والإمارات ستكون جزءا فاعلا في هذا التحالف بالتعاون مع الدول التي يمكنها تحمل مسؤوليات هذا الخطر الجديد. ولكن ماذا عن البنية الفكرية لهذا التنظيم؟ لا يمكن فصل البنية العسكرية عن البنية الفكرية التي قام عليها هذا التنظيم"، داعياً: "لا بد من مواجهة هذا الفكر الخبيث بفكر مستنير، منفتح، يقبل الآخر ويتعايش معه، فكر مستنير من ديننا الإسلامي الحنيف الصحيح الذي يدعو للسلام، ويحرم الدماء، ويحفظ الأعراض، ويعمر الأرض، ويوجه طاقات الإنسان لعمل الخير ولمساعدة أخيه الإنسان. إن الشباب الانتحاري الساعي للموت بسبب إيمانه بفكرة خبيثة لن يوقفه إلا فكرة أقوى منها ترشده لطريق الصواب، وتمنعه من الانتحار، وتقنعه بأن الله خلقنا لعمارة الأرض وليس لدمارها".

هل يتم ذلك عبر

نفس المؤسسات

التي فرّخت هذا

الفكر وحضنت

رموزه؟

إذاً، نحن أمام واقع جديد نسبياً، وضح فيه لقيادة دولة الإمارت العربية المتحدة، بكل ريادتها في بناء دولة عصرية تضاهي مؤشرات التقدم فيها تلك الموجودة بأكثر دول العالم تقدماً، بدون التنازل عن أفضل قيم دينها وفضائله. وضح لهذه الدولة، وعلى أعلى مستويات الحكم أن أُسّ التحرر مما يعاني منه الشرق الأوسط وبقية أنحاء العالم من تنامي ظاهرة التطرف والعنف المصاحب له، إنما يكمن في أهمية نشر فكر بديل يحل محل هذه المنظومة المستهلكة، أو كما عبر عنه رجل الدولة المسئول محمد بن راشد بقوله :"إن الشباب الانتحاري الساعي للموت بسبب إيمانه بفكرة خبيثة لن يوقفه إلا فكرة أقوى منها ترشده لطريق الصواب، وتمنعه من الانتحار، وتقنعه بأن الله خلقنا لعمارة الأرض وليس لدمارها"، وهي دعوة صدق واضحة وتمثل رؤية واستراتيجية إن تم تفعيلها، لا شك ستؤتي أكلها سلاماً وتقدماً ونماءاً.

والحال كذلك، وطالما وضح أساس المشكلة، وتم التعرف على آفاق الحل، تصبح قضية اللحظة تطبيق وتنفيذ هذه الرؤى الملهمة على أرض الواقع؛ وهو أمر يتطلب بوضوح الإجابة على الأسئلة التالية: ماهي مؤسسات الدولة والمجتمع المناط بها رعاية أمر التصحيح عبر تجديد الخطاب الديني وإزالة ما لحقه من تشوهات أدت بنا لما نحن فيه؟ هل يتم ذلك عبر نفس المؤسسات التي فرّخت هذا الفكر وحضنت رموزه، أم يلزمنا البحث عن مؤسسات جديدة وأدوات جديدة؟ هل نترك الهيمنة لوسائط الثقافة والإعلام للمتواطئين مع الإرهاب، وإن كان في صمت، من المشائخ وبعض المثقفين الذين يعجبهم واقع الذبح اليومي نكاية في أمريكا والغرب والذين يتفننون في التبرير للإرهاب باعتباره ردة فعل طبيعية للإرهاب الغربي؛ أم ننشيئ مؤسسات جديدة بشخوص جدد تتولى أمر التجديد الديني وطرحه على الناس بشكل مقنع وإيجابي؟

تلقين الطلاب لينظروا للعالم بمناظير القرن السابع الميلادي

الرأي عندي، أن تتعدد المسارات وتتنوع الأوعية. فالمؤسسات الدينية الرسمية، وعبر التاريخ، ورغم نزعتها المحافظة بشكل عام، لها القابلية للقبول بالخطاب الرسمي والعمل وفق إطاره بإعتبار أن طاعة أولي الأمر من الدين. كما أن المؤسسات الدينية الرسمية، ورغم استقلاليتها النسبية،  تحتاج للدولة وإمكاناتها لتستطيع العيش. الجدير بالذكر أن هذه المؤسسات تحتوي على قدر غير يسير من العلماء والدعاة المستنيرين، إلا أن غلبة المحافظين تشكل باستمرار مصدراً للإرهاب الفكري مما يستوجب تدخل الدولة لقلب المعادلة، وهو أمر ربما يمكن التدليل عليه بالأفكار الجريئة للشيخين الكلباني والغامدي بالمملكة السعودية، اللذين كان من الممكن أن يصادفهما الفشل في إيصال أصواتهما  لولا إحساسهما باحتياج الدولة السعودية لمثل هذا النوع من التفكير.

في ظننا، أنه لا ينبغي المبالغة في التفاؤل بمقدرة هذه المؤسسات لوحدها على ردم الهوّة القائمة بين تطلعات الشعوب ومستوى التطور الإنساني الحالي من جهة، والإرث التقليدي المحافظ من جهة أخرى. فهي هوّة تحتاج لإبراز شخصيات أكثر جرأة ومقدرة على مراجعة مناهج الفقه الموروثة التي إكتسبت عصمة مع مرور الزمن، رغم أن الإسلام يرفض إبتداءاَ إعطاء أحد من البشر سلطة دينية، واستنكر ذلك في الديانات الأخرى، مثلما جاء في قوله تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله"، وقوله: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون". كما يحتاج تجسير هذه الهوّة، وضمان ديمومة التوافق والتوازن بين متطلبات الدين واحتياجات الواقع، يحتاج لمؤسسات قوية مدعومة من الدولة والمجتمع ولها مقدرة على التأثير الإيجابي على أولئك الذين تعبأت أذهانهم بمفاهيم بعيدة كل البعد عن غايات الدين ومقاصده وأصبحوا كالذين ذمهم ربهم شرّ ذم مثلما جاء بقوله تعالى:  "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا"، وقوله: "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون".

هنالك حاجة ماسة

لتوسيع المواعين

الخاصة بمواجهة

الفكر التكفيري

الجهادي

إن وضوح الرؤية لدى قادة دولة الإمارات اليوم، ورغبات الشعوب في العيش الكريم الآمن والإسهام في إعمار الأرض، إضافة لوجود قطاع متنامي من المستنيرين؛ يمثل فرصة يجب استثمارها جيداً لإزالة الكابوس الماثل بأقل قدر ممكن من الألم والمعاناة. في تقديرنا، أن التركيز البالغ من الإعلام على القضايا السياسية، على حساب قضايا الإستنارة والتجديد في منطقة تعيش ظروف تحولات كبرى، هذا التركيز ساهم بشكل أو آخر في إرتهان عقول وأفئدة الملايين للفكر التكفيري الذي يمتلك منابر لاحصر لها للتعبئة والإنتشار. لذا نرى أن هنالك دوراً كبيراً لوسائط الإعلام المسئول في دعم التغيير المنشود عبر إجراء تعديلات جوهرية على إستراتيجياته وأولوياته لتتوافق وتنسجم مع متطلبات المرحلة.

وفي هذا يجب إزالة التحسس في التعامل مع رموز الإستنارة، وهم بالمئات الآن. هذا التحسس الذي خلقه الفقه التقليدي بشكل مقصود بزعم أن الحديث عن التجديد والدولة المدنية، كالتي تقوم بالإمارات الآن، يعتبر خروجاً عن الجماعة وموالاة لأهل الكفر. إن الهدف المرجو إنجازه من قِبل هؤلاء الإستناريون كبير للغاية؛ يتمثل في تصحيح المفاهيم الموروثة والمعشعشة بالعقول بمفاهيم أكثر تعبيراً عن العصر وأقرب لروح الدين؛ لذا يجب إزالة هذا التحسس والأخذ عنهم كل ما يمكن أن يساعد في عملية التجديد من ناحية ويجد القبول من المستهدفين من التجديد من الناحية الأخرى.

وليس الإعلام وحده ما يحتاج للمواكبة لينشر الفهم العصري للدين، ذلك القائم على غرز قيم المحبة ودحض مقولات التكفيرين من داخل الدين نفسه، بل أن هنالك حاجة ماسة لتوسيع المواعين الخاصة بمواجهة الفكر التكفيري الجهادي من مراكز بحث ودور نشر وإقامة مؤتمرات متواصلة للمهتمين بهذا الشأن. بل ربما يحتاج الأمر لإنشاء جهاز حكومي ذو صلاحيات واسعة له المقدرة على تحويل رؤي قيادات دولة الإمارات إلى حقائق على الأرض، والإشراف على مبادرات الأفراد والمؤسسات، والتأكد من أنها تسير في الإتجاه السليم، ومتابعة مردود أعمالها، ودعمها جيداً على ضؤ ذلك المردود. كما ينبغي ذلك، ولضمان أكبر قدر من النجاح أن يتم التنسيق والتعاون مع الجهات الشبيهة سواءاً بالدول العربية والأجنبية.