طلعت رضوان

روّج كثيرون لآفة (التكيف) بإعتبارها ميزة اجتماعية، فى حين أنها تعنى التكلس أى التكيف حتى مع الظواهر(الطبيعية والاجتماعية والسياسة) الضارة بالإنسان، ولم يُخلص البشرية من هذه الآفة إلاّ الفلسفة، بينما تحرص المؤسسات الدينية على تثبيت (التكيف)

فالمؤمن بديانة ما يرى أنّ ديانته هى (الصواب المطلق) وباقى الأديان هى (الخطأ المطلق) وداخل الدين الواحد تتصارع المذاهب، وكل فريق يحمل راية (الصواب لنفسه والخطأ لغيره) لذا فإنّ أبناء الديانات والمذاهب المختلفة خلقوا ظاهرة (الجيتوهات النفسية) رغم أنهم يعيشون فى مجتمع واحد، لأنهم يرفضون إعمال العقل الفلسفى المؤسس على رفض الثوابت، وإعادة النظرفى التراث الموروث،  وإلى أى درجة يتسق هذا التراث مع مفاهيم الحرية التى أشاد أعمدتها الفلاسفة على قاعدة الفصل بين ديانة الإنسان (فهذه حريته الشخصية) وبين فرض ديانته أومذهبه على الآخرين. وأنّ هذا الفصل لو تحقق فسوف تختفى كارثة حشرالدين فى السياسة والاقتصاد والفن والأدب إلخ.

إنّ لغة (التكفير)

هى سلاح الكاتب

الذى يعتمد على

المرجعية الدينية

البداية الحقيقية لنشأة الفلسفة كانت قدرة العقل الإنسانى على استخدام ملكة (الدهشة) التى خرج حب السؤال من رحمها وبالتالى مهدّتْ الطريق لهدم التكيف. والسؤال تشعّب لأسئلة: لماذا ما حدث بشكل ما لم يكن بشكل آخر؟ هل نأخذ من الآخرين ما يُناسبنا أم ننغلق على أنفسنا؟ لماذا كانت ظاهرة (الغزو) من أجل احتلال الشعوب ونهب مواردها؟ ومتى يتحقق (السلام) بين شعوب العالم؟ هذه الأسئلة (وغيرها) لايملك جرأة طرحها إلاّ العقل الفلسفى، بينما العقل الدينى لايملك هذه الشجاعة، لأنه يخشى معارضة ثوابته التراثية، فالمسلم مؤمن بالآية القرآنية ((ياأيها الذين آمنوا لاتسألوا عن أشياء إنْ تـُبْدَ لكم تسوءكم)) (المائدة/ 101) والسؤال الذى يفرضه هذا التحريم للسؤال: ماهى الأشياء التى لوعرفها الإنسان سوف تـُسىء إليه؟ ومن الذى يُحدّد هل هى إساءة أم لا؟ ولماذا لايُترك للإنسان حرية طرح السؤال، وعليه (وحده) أنْ يُقررما إذا كانت فى الإجابة إساءة أم لا. وبينما تحرص الفلسفة على ترسيخ دعائم (النسبى) فإنّ الأديان تعمل على ترسيخ المطلق ضد النسبى.

ابن رشد: 'الفيلسوف التنويرى' الذي لجأ إلى تكفير المُختلفين معه

فنجد فى القرآن إدانة للأعمى ((هل يستوى الأعمى والبصير) (الأنعام/ 50وتكرّر نفس المعنى فى هود/25 والرعد/16والإسراء/72وفاطر/ 19وغافر/58) وعن هذا المُطلق نجد الديانة الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية والإسلام) تتشابه فى موقفها من المرأة ففى العهد القديم (إلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك) (تكوين3: 17) وفى العهد الجديد ((أيتها النساء كنّ خاضعات لرجالكنّ)) (رسالة بطرس الرسول الأولى) وفى العهد الأخير(وفق تعبيرالمرحوم بيومى قندبل) أى القرآن (للرجال عليهن درجة) (البقرة/228) وفى الشهادة (رجل مقابل امرأتيْن) وفى الميراث (للذكر مثل حظ الأنثييْن) (النساء/11) ويُتيح للمسلم أنْ يقتنى مايشاء من النساء وفق منظومة العبودية وهنّ من أطلق عليهن (ملك يمين) وهو ما ورد فى أكثرمن آية (النساء/25، 36، النحل/ 71، النور/31، 58، الروم/28، الأحزاب/ 50، 52، المعارج/ 30) والأكثرمن ذلك النص الصريح على ((الرجال قوامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)) (النساء/ 34)

فهذا النص يفترض أنّ البشرية ستتوقف عند القرن السابع الميلادى وفى الجزيرة العربية فقط، حيث أنّ الانفاق على الأسرة مسئولية الرجل كقاعدة ، فى حين أنّ مجتمعات أخرى مثل المصرى والإيرانى كانت المرأة بجوارالرجل فى الغيط والمعمل والمصنع إلخ وفى العصرالحديث (كما رأيتُ بنفسى أنّ الزوجة تعمل وتصرف على الأسرة لأنّ الزوج بلا عمل أو يكون راتبها أكبرمن راتب الزوج وهو أيضًا ماعرفته داخل أسرتى) وهكذا نجد أنّ الديانة الإبراهيمية تعاملتْ مع المرأة وفق منهج (المطلق) وليس منهج النسبى الذى تحرص الفلسفة على ترسيخه.

أنّ العرب لم يخرج

من بينهم (فيسلوف)

بالمعنى العلمى لهذا

الوصف

وبينما تكون لغة الفلاسفة هى النقد الموضوعى فيما بينهم ، وهوما أدى إلى تطوير المذاهب الفلسفية من جيل إلى جيل، فإنّ لغة (التكفير) هى سلاح الكاتب الذى يعتمد على المرجعية الدينية. وإذا كان المشهورعن الغزالى أنه كفـّر كل من قال بقِدم العالم فى أغلب كتبه خاصة كتابه  (تهافت الفلاسفة) فإنّ ابن رشد (الذى حاز صفة الفيلسوف التنويرى فى الثقافة العربية) لجأ إلى تكفير المُختلفين معه خاصة فى كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) ومن العنوان تتضح تلك المحاولة البائسة بافتراض علاقة بين الحكمة (ويقصد بها الفلسفة) والشريعة الإسلامية. وبينما الفيلسوف يحترم التعددية ويؤمن بها، نجد ابن رشد مع الأحادية نتيجة التزامه الصارم بالدين الإسلامى فاستخدم لغة التكفير، كما ورد فى القرآن مع خصومه، فكتب أنّ ((الحاكم على الموجودات إذا لم توجد فيه شروط الحكم فليس بمعذور، بل هوإما آثم وإما كافر)) و((إنْ وقع فى مبادىء الشريعة فهوكافر)) وأنّ الجاحد لأصل من أصول الشريعة كافر)) وإتهم المسلمين الذين لجأوا إلى تأويل بعض آيات القرآن بالكفر، فكتب ((وعلى هذا النحو من الظاهر إنْ كان فى الأصول فالمُتأوّل له كافر))

ديكارت:لا يعترف ب (اليقين) لأنه يبدأ من الشك

وإذا كان معنى التأويل عند ابن رشد ((إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازية)) لذلك كتب ((إذا كان التأويل لايُؤدى إلى نفى الوجود ، وإنما كان جَحْدُ الوجود فى هذه كفرًا لأنه أصل من أصول الشريعة)) وعن المختلفين معه كتب أنّ تأويلهم ((كفرلأنه يؤدى إلى الكفر. فالتأويل فى حقه كفرلأنه يؤدى إلى الكفر، فمن أفشاه له من أهل التأويل فقد دعاه إلى الكفر، والداعى إلى الكفر كافر)) ولأنه مع الأحادية كتب أنّ ((الناس فى الشريعة ثلاثة أصناف: صنف ليس من أهل التأويل (أى عامة الشعب) وصنف من أهل التأويل الجدلى وصنف من أهل التأويل اليقينى)) أى أنه يرفض العامة من الشعب ويرفض الجدل وينحازلفريق المؤمنين برأيه الذى أطلق عليه (يقينى) وهنا نجد الفرق بين الفيلسوف الذى لايعترف ب (اليقين) لأنه يبدأ من الشك، كما فعل ديكارت وغيره من الفلاسفة. كما أنّ المنهج الجدلى يبدأ من الإثبات إلى النفى، ومن النفى إلى نفى النفى.

وكل ذلك لايعترف به ابن رشد الذى قيّد نفسه بالشريعة الإسلامية فكتب أنّ ((الصّاد (يقصد المُعترض) عن الشرع كافر)) ورغم ذلك نجده يعترف بأنّ أصحاب الفرق الإسلامية ((كفربعضهم بعضًا)) والسبب فى رأيه أنّ المُعتزلة أوّلوا آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وصرّحوا بتأويلهم للجمهور، وكذا فعلتْ الأشعرية ((فأوقعوا الناس فى شنآن (= العداوة) والحروب ومزقوا الشرع)) وكتب أنّ فرقة الأشعرية ((كفـّرتْ من ليس يعرف وجود الله بالطرق التى وضعوها فى كتبهم)) وبدلامن أنْ يُدين لغة التكفير، أضاف فى نفس الفقرة أنهم ((الكافرون والضالون بالحقيقة)) وهكذا نجد ابن رشد فى معظم صفحات الكتاب يتهم المُختلفين معه بالكفر، ولذلك لم تكن مفاجأة لى أنْ أقرأ له استشهاده بالأحاديث النبوية المُتفق عليها فى كتب الأحاديث التى تحض على قتل البشرحتى يؤمنوا بمحمد وربه مثل حديث ((أمرتُ أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله ويؤمنوا بى)) (كتاب ابن رشد دارالمعارف المصرية- ط 2عام 1983)

"إنما الدهشة

هى الأم التى

أنجبتْ الفلسفة"

وقد تعمّدتُ التركيز على ابن رشد الذى تصفه الثقافة السائدة البائسة ب (الفيلسوف الكبير) رغم أصوليته واستخدامه للغة التكفير، لأصل إلى نتيجة يتجاهلها كثيرون وهى أنّ العرب لم يخرج من بينهم (فيسلوف) بالمعنى العلمى لهذا الوصف، وحتى ابن سينا الذى صنـّفه العرب على أنه فيلسوف، ورغم أنه حاول التوفيق بين الفلسفة والدين، فإنّ الفشل كان نتيجة محاولته العقيمة. والدليل على ذلك أنّ الكهنوت الدينى الإسلامى اعتبره (زنديقــًا) ووصفه آخرون (أقل حدة) بأنه ((قصيرالنظر)) وأعتقد أنّ السبب الرئيسى لعدم وجود (فيلسوف) عربى هو تعمد تجاهل القضايا الكونية التى تتعارض مع النصوص الدينية ، وهوالتحدى الذى قام به فلاسفة أوروبا، بل نجد فى التراث اليونانى القديم حكيمًا مثل (أبيقور) قال إنّ الفلسفة نشاط يوصلنا إلى الحياة السعيدة عن طريق الأدلة العقلية والبراهين الاستدلالية. أى أنه ركزعلى أهمية (الملاحظة) لإقامة الدليل العقلى.

وكتب المفكرالمصرى د. زكريا إبراهيم أنّ ((التأمل الفلسفى يختلف اختلافـًا كبيرًا عن التأمل الدينى. فليس للتأمل الفلسفى أى موضوع للعبادة أوأى مكان مقدس أوأية صورة محددة)) وكتب ديكارت ((إنّ الفلسفة وحدها هى التى تـُميّزنا عن الأقوام المتوحشين والهمجيين. وحضارة الأمة وثقافتها تـٌقاس بمقدارشيوع التفلسف الصحيح فيها. وأنّ الإنسان الذى يحيا دون تفلسف هو كمن يظل مُغمضًا عينيه لايحاول فتحهما)) وأعتقد أنّ إغلاق العين (بالمعنى المجازى) هو درجة عالية من الأنيميا الحادة فى ملكة إثارة (الدهشة) التى يتمتع بها الفيلسوف الحق ومنها تنطلق أسئلة الوجود وصدق أرسطو فى قوله الحكيم ((إنما الدهشة هى الأم التى أنجبتْ الفلسفة)).