يكاد ان يجمع التدريسيون الحداثيون على ان مُشكلة الاسلام المُعاصِر هي عدم وجود مرحلة تنويرية وهذا ناتج عن قيود ثقافية زائفة. ويعتبرون أن هذه القيود قيوداً لا ضرورة من إعتبارها إلزامية وأساسية في الاسلام. كما يلاحظ هؤلاء وجود اتجاهات فكرية معينة في الاسلام السني وقفت في الضد من العقل, هذه الاتجاهات اخذت مسارها نتيجة الميل لسلطة الحديث بدلاً من النص القُرأني, الذي يمكن الاستشهاد به لدعم العقلانية- ودليل مستند على العلم.

وهكذا تم ضمان خسارة الاسلام للفلسفة وللعقلانية, عندما تغلب اصحاب المنطق الحتمي على اصحاب حرية الارادة, وتميز ذلك بقمع المعتزلة اصحاب المدرسة العقلية . اما منطق القمع فقد استند على ان المنطق العقلي منطقا يونانيا دخيلا على الاسلام. أن رفض الارادة الحرة والتسليم للقدر يعني التسليم المطلق لقدرة الخالق, كما تقول الفلسفة العرضية من ان الله هو سبب الوحيد لكل الافعال. على اساس ان الافعال المخلوقه لا يمكن ان تُعتبر اسبابا كفوءة لاحداث اخرى.

على اية حال عند عدم اعتماد سلسلة الاسباب الطبيعية وتبني تصَور سلسلة المعجزات الناتجة عن نزوات إلاهية, سوف لن يكون هناك أي حديث عن قوانين طبيعة اومنطقية. ان حديث كهذا سيحد من حُرية الله وسلطتهِ المطلقة. ومن ثم فانه من الإستحالة قيام علوم طبيعة – او اي علم – وهذا ما قاد الى التوقف العلمي الذي استغرق قرابة القرون السبعة في العالم الاسلامي, وبالمثل فان جميع المساعي البشرية وكل التراكمات في القانون والادارة – لانها تفتقر الى مشروطية التاليف الإلآهي – تعتبر ليست بذات قيمة اواهمية. والنتيجة الحتمية لهذا النمط من التفكير هي ثقافة القمع والاستبداد. ولطالما لا توجد ارضية مشتركة من المبادئ والقوانين العقلية للرجوع اليها فأن الخلافات لا يمكن ان تحل عن طريق المنطق قدر ما تحل عن طريق القوة ومن جانب واحد.

الاثباتات التجريبية توئسس للعلاقةِ ما بين الحُرية الفكرية والتقدم المادي وكما يُقدم الكُتاب المساهمين في هذا القسم العصر الذهبي للحضارة الاسلامية – من القرن التاسع الى القرن الثالث عشر – كان في ذات الوقت عصر التاثُر اليوناني. وكان من نوابغ هذا العصر ابن رشد وابن سينا ألذان تركا تأثيراً اوانطباعاً ما زال مستمراً في الحضارة الاوربية والتي كانت تنفتح عندئذ على الحرية الفكرية. في حين نجد ان العالم الاسلامي كان على العكس من ذلك حيث حاربهم واحرق كُتبهم.

منذ فشل العلوم الدخيلة في الحصول على موطئ قدم في العالم الاسلامي اصبحت الساحة متروكة للعرضية ولعلوم النص العربية باعتبارها اكثر "اصالةً", والتي اصبحت الموشور الذي من خلاله تُرى الحقيقة وتُدار وكنتيجة لذلك فشل مُفكروا النهضة في القرن التاسع عشر من ربط النهضة التي يريدونها بالنهضة الاولى ومن ثم فشل العرب في توطين الحداثة. وبقت هذه المحاولات التحديثية للنخب والتي تمكن الاسلاميون من تهميشها.

يقوم البعض من العلماء المسلمون الحداثيون وينحدر الكثير منهم من المغرب على اعادة النظر بالعلاقة – الموروثة من القرن الثامن – بين الفكر الفلسفي والنصوص لاجل بناء بُنية معرفية جديدة تتجاوز السلطة المغلقة للنص بمعنى اخر تتجاوز علم اليقين الى منطق اخر يستطيع استيعاب التنوع التنافسي للحداثية واستيعاب التجريبية وقبول قوانين الطبيعة من دون المَساسَ بالهوية الاسلامية.

ان الكُتاب المُساهمين في هذا القسم يُعارضون فكرة الخيانة الثقافية في تعزيز أي من الانتقادات والنقد والطروحات العقلانية ويحاولونَ تجذير حججهم ضمن التقاليد التاريخة الاسلامية للدين والفكر الفلسفي بكل تنوعاته المتصارعة – مثل هذه الاُطُر دافع عنها المُعتزلة.

وبما ان النضال ضد الجذور العميقة للاستبداد في العالم الاسلامي ليس امرا سهلا فأن اعادة الربط مع هذا النسب البديل يكون محفوفا بالمخاطر. على الرغم من التقدم الواضح للظاهرة الاسلامية فان هذه العقول الاكثر جرأة وشجاعة تواجه التحدي لانهم يدركون ان مفتاح انعتاق وتقدم العرب والمسلمون تقع على عاتق حلٍ خلاق للعلاقة بين الايمان والفلسفة وأن كل شيء يتوقف على هذا.

محمد عز الدين الصندوق

لم يقف الدين الاسلامي موقفا معارضا للعلم (كمفهوم عام) وكذلك هي حال الاديان الابراهيميه الاخرى اليهودية والمسيحية. وخير مثال على تقبل الاسلام كدين للعمل العلمي هو النهضة العلمية في العصر العباسي والتي كانت نتيجة الانفتاح الحضاري والفكري للاعتزال. لقد قاد فكر الاعتزال وهو فكر اسلامي الى نهضة علمية كانت هائلة حسب مقياسها الزمني.

اقرأ المزيد...

محمد عزالدين الصندوق

لم يعرف العرب الفكر الفلسفي المنظم قبل ظهور الاسلام ولم يعرفوه بعده , الا ان الاختلاط بالشعوب الاخرى نتيجة التوسع الجغرافي وظهور الدولة العربية قاد الى نوع من الامتزاج الحضاري. وكان من نتائج هذا الامتزاج ان عَرف العرب الفكر الفلسفي. وهكذا ظهرت بواكير بسيطة من الفكر العربي الاسلامي متأثرة بالامتزاج الحضاري.

اقرأ المزيد...

محمد عزالدين الصندوق

لم يقف العلم المعاصر عند هذا المنطق ليشمل مؤسسات البحوث التي تعمل جميعا بمنطق فكري موحد (وتحت غطاء الموضوعية) ومن ثم طريقة  تقييم وقبول وعرض الانتاج العلمي. العلم المعاصر يعتمد منظومة (Paradigm) معقدة تبدء بالفكر العلمي ولا تنتهي بطريقة واسلوب النشر العلمي [1]. منظومة العلم المعاصر منظومة فكرية متمثلة بالفكر العلمي والمنظوماته البحثية والمهنية التي تمثل الجانب الاجتماعي وبالتالي موئسسات النشر والتقييم العلمي.

اقرأ المزيد...