حسن محسن رمضان

يتقبل السياق الفقهي السني بصفة عامة احتمال ورود الصغائر من الذنوب دون الكبائر على الأنبياء وجواز ورود السهو والنسيان عليهم، بينما يقف السياق الفقهي الشيعي على النقيض تماماً. فالفقه الإمامي الشيعي بالذات يمنع كلياً ورود الذنوب من الأنبياء، صغائرها وكبائرها، لا في حال صغر السن ولا الكِبر، ولا قبل الدعوة أو بعدها، في أمور الدين والدنيا معاً، ويمنع أيضاً احتمال السهو والنسيان عليهم.

والأئمة عند الشيعة كالأنبياء في العصمة، جاء في (عقائد الإمامية): الإمام كالنبي يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل ما ظهر منها وما بطن، كما يجب أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان. إلا أن هذا الرأي يقف على النقيض تماماً من القرآن نفسه ومعارض له مما يشي بخطأ الموقف. إذ القرآن الكريم في خطاب مباشر للنبي محمد يقول صراحة:

إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِيناً. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ،

ولا يكون الغفران إلا من جواز ورود الذنب ابتداءً وإلا لما كان لهذا الخطاب القرآني معنى إذا كان النبي والأئمة من بعده معصومون مطلقاً على حسب الرأي الشيعي. بل القرآن يذهب أبعد من ذلك فيما يخص النبي محمد. ففي سورة الشرح نقرأ: (ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك)، يقول الطبري في تفسير الآية:

غفرنا لك ما سلف من ذنوبك، وحططنا عنك ثقل أيام الجاهلية التي كنت فيها (…) سمعت الضحاك يقول في قوله (ووضعنا عنك وزرك) يعني: الشرك الذي كان فيه (…) كانت للنبي (ص) ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له.

يونس, النبي ال"مليم" [يونس: 142]

والقرآن أيضاً يحتوي على آيات مناقضة لهذا الموقف الشيعي تختص بعدة أنبياء، إذ يصرح القرآن (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي)، وقصة يونس كمثال آخر: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) .كما أن علي بن أبي طالب في (نهج البلاغة) [هذا مع التأكيد على أن محتوى هذا الكتاب في كلياته هو موضع شك أكيد في نسبته لعلي بن أبي طالب] يقول: "فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي". فعلى هذا فإن الرأي الإمامي في العصمة الكلية لا يصمد إطلاقاً أمام النقد.

إلا أن السياق الإسلامي بمذاهبه المتعددة يقف موقفاً واحداً لا خلاف فيه من خلال التأكيد على قضية العصمة المطلقة للنبي محمد فيما يخص مسائل البلاغ عن الرب جلّ شأنه وفيما يخص آيات القرآن. بل إننا نجد أصداء هذا المفهوم في القرآن نفسه في سورة النجم: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم، 3-4]، يقول الطبري في تفسيره:

وما ينطق محمد بهذا القرآن عن هواه، ما هذا القرآن إلا وحي من الله يوحيه إليه.

الوحي الإلهي قد

يكون عُرضة أيضاً

للتأثير الخارجي

إلا أن هذا المفهوم الإسلامي عن العصمة في البلاغ الإلهي يقع أيضاً تحت طائلة النقد والتأمل. إذ ملابسات نزول سورة النجم نفسها تؤكد على أن الوحي الإلهي خلال تجليه للنبي محمد قد يكون عُرضة أيضاً للتأثير الخارجي. فقد أورد المفسرون والمؤرخون ضمن ظروف تجلي سورة النجم ما تم التعارف على تسميتها بـ "قصة الغرانيق" أو "الأيات الشيطانية" كما يسميها المستشرقون. يقول الطبري في تفسير الآية 52 من سورة الحج:

إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية علـى رسول الله (ص)، أن الشيطان كان ألقـى علـى لسانه فـي بعض ما يتلوه مـما أنزل الله علـيه من القرآن ما لـم ينزله الله علـيه، فـاشتدّ ذلك علـى رسول الله (ص) واغتـمّ به، فسلّاه الله مـما به من ذلك بهذه الآيات،

والمقصود بالذي ألقى الشيطان على لسانه هي آيات كانت ضمن سورة النجم في مدح آلهة قريش، اللات والعزى ومناة. يسترسل الطبري في تفسيره لسورة الحج ليقص قصة الغرانيق أو الآيات الشيطانية التي كانت في سورة النجم المكية:

لـما رأى رسول الله (ص) تولِّـيَ قومه عنه، وشقّ علـيه ما يرى من مبـاعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تـمنى فـي نفسه أن يأتـيه من الله ما يقارب به بـينه وبـين قومه. وكان يَسُرّه، مع حبه وحرصه علـيهم، أن يـلـين له بعض ما غلُظَ علـيه من أمرهم، حين حدّث بذلك نفسه وتـمنى وأحبه، فأنزل الله: (والنَّـجْمِ إذَا هَوَى ما ضَلَّ صَاحبُكُمْ وَما غَوَى)، فلـما انتهى إلـى قول الله: (أفَرأيْتُـمُ اللاَّتَ والعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى) ألقـى الشيطان علـى لسانه، لـما كان يحدّث به نفسه ويتـمنى أن يأتـي به قومه: (تلك الغرانـيق العلَـى، وإن شفـاعتهن تُرْتَضى).

الالاهة اللات: منحوتة حجرية من الطائف, من 100 م.

فلـما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرّهم، وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له، والـمؤمنون مصدّقون نبـيهم فـيـما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه علـى خطأ ولا وَهَم ولا زلل. فلـما انتهى إلـى السجدة منها وختـم السورة، سجد فـيها، فسجد الـمسلـمون بسجود نبـيهم، تصديقاً لـما جاء به واتبـاعاً لأمره، وسجد من فـي الـمسجد من الـمشركين من قريش وغيرهم لـما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلـم يبق فـي الـمسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الولـيد بن الـمغيرة فإنه كان شيخاً كبـيراً فلـم يستطع، فأخذ بـيده حفنة من البطحاء فسجد علـيها. ثم تفرّق الناس من الـمسجد، وخرجت قريش وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر مـحمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فـيـما يتلو أنها الغرانـيق العُلَـي وأن شفـاعتهنّ ترتضى.

وبلغت السجدة مَنْ بأرض الـحبشة من أصحاب رسول الله (ص)، وقـيـل: أسلـمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتـخـلَّف آخرون. وأتـى جبرائيـل النبـيّ (ص) فقال: يا مـحمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت علـى الناس ما لـم آتك به عن الله، وقلت ما لـم يُقَلْ لك. فحزن رسول الله (ص) عند ذلك، وخاف من الله خوفـاً كبـيراً، فأنزل الله تبـارك وتعالـى علـيه، وكان به رحيـماً، يعزيه ويخفِّض علـيه الأمر، ويخبره أنه لـم يكن قبله رسول ولا نبـي تـمنى كما تـمنى ولا أحب كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقـى فـي أمنـيته كما ألقـى علـى لسانه (ص)، فنسخ الله ما ألقـى الشيطان وأحكم آياته”.

هاجم السلفيون والشيعة هذه القصة أعلاه وحاولوا نفيها وإسقاطها لأسباب تتعلق بالمفاهيم الإسلامية السنية التي طورها الفقهاء لاحقاً أو تتعلق بأساسيات المذهب والنظرة التي يراد بها أن يُنظر إلى أئمة محددون كمعصومين مطلقاً. من أشهر المحاولات المعاصرة لنفي القصة هي محاولة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)، وهو كعادة المحدِّثين يحاول تتبع سلسلة سند الخبر ومن ثم إثبات ضعف الرواية [يجب التأكيد هنا على رأينا الذي طرحناه في كتاب (نقد نص الحديث[1]) من أن محتوى الجرح والتعديل هو في ذاته موضع شك وانعدام للموضوعية]. إلا أن الألباني يعترف في بداية كتابه أن الحافظ ابن حجر قد قوّى أسانيد الخبر وقال بصحته، فالأمر إذن لا يعدو في هذا الكتاب عن أن يكون رأي لباحث في أسانيد الخبر مخالف لباحث آخر في الأسانيد أكثر مقدرة من الألباني نفسه.

وهذه المحاولة السلفية نفسها قد اصطدمت بالمعنى المباشر الصريح الواضح للآية 52 من سورة الحج كما يظهر جلياً في التفسير المتكلف الذي قام به الألباني في مقدمة كتابه. كما حاول هشام جعيط في كتابه (تاريخية الدعوة المحمدية في مكة) أن ينفي القصة أيضاً، إلا أن التعسف في أسبابه التسعة التي أوردها واستدل بها كان واضحاً جداً بحيث كان يكفي تعليقات بسيطة على هامش كتابه لردها كلها وبيان تكلفها. قصة الغرانيق صحيحة، ولا مجال للشك فيها لأسباب صريحة ومباشرة إما ضمن القرآن نفسه أو ما شرحه المستشرق مونتغمري وات في كتابه (مكة محمد). القرآن نفسه يعترف في سورة الحج:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ،

ولا يوجد أي

معرفة دقيقة لما

هو مكي أو مدني

والنسخ في القرآن كله يتعلق بما هو ضمن آيات القرآن تحديداً دون غيرها. فالآية تتحدث بوضوح عن عملية نسخ ضمن آيات القرآن كانت من إلقاء الشيطان بسبب أمنية تمناها النبي محمد. أما التعلق بأن سورة الحج هي سورة مدنية بينما سورة النجم هي سورة مكية لنفي القصة هو ليس بدليل ولا يصمد أمام النقد الجاد لأن عملية توليف القرآن ضمن سور محددة في حياة النبي محمد ومن ثم جمعه بعد وفاته لم يكن يراعى فيه الترتيب التاريخي للنزول، وإنما كانت توضع الآيات ضمن السور حيثما كانت تُرى مناسبة، تقديماً أو تأخيراً، إما بأمر النبي محمد مباشرة أو برأي الصحابة لاحقاً. إذ هناك أدلة لا تحصى على آيات مدنية ضمن سورة مكية وبالعكس، ولا يوجد حتى هذه اللحظة أي معرفة دقيقة لما هو مكي أو مدني أو حتى ترتيب زمني للنزول وإنما كل المحاولات هي تخمينات تحت افتراضات عامة يدخل في نتائجها الشك بكل تأكيد. أما مونتغمري وات فيقول:

لا يمكن لهذه القصة أن تكون محض اختلاق. فلا يوجد مسلم من الممكن أن يختلق مثل هذه القصة عن محمد، ولا يمكن لأي فقيه أو عالم إسلامي حسن السمعة [مشهور، مقتدى بآرائه] أن يقبل مثل هذه القصة من غير مُسلم [أو من هو مشكوك في أمر إسلامه] إلا إذا كان مقتنعاً تماماً بأنها قد وقعت على الحقيقة. مسلمو اليوم يجنحون إلى رفض هذه القصة لأنها تناقض صورتهم المثالية عن محمد.

تلقيح النخل: أمر الدنيا لم يعرفه النبي محمد

فالقصة موجودة في الطبري، التفسير والتاريخ، كما نقلنا أعلاه، وفي طبقات ابن سعد، وبصورة هامشية وعابرة في أنساب الأشراف، وفي مصادر أخرى أيضاً، وهي وإن كانت غير مذكورة في اختصار ابن هشام لسيرة ابن إسحاق إلا أن الحذف المتعمد واضح كما يؤكد لنا ذلك هشام جعيط نفسه.

إذن، العصمة، كمفهوم، لم يكن معروفاً عند المسلمين الأوائل بمضمونه الفقهي الإسلامي الذي نقرأه اليوم في كتب المذاهب. هذا المفهوم ظهر لاحقاً كضرورة عقلية بحتة للبلاغ عن الرب جلّ وعلا، وكان منشأهُ النظر والفكر من جانب الفقهاء والمتكلمين وأصحاب المذاهب. هذه الضرورة العقلية اتخذت من الآية القرآنية (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى) كمدخل لكل الخلاف الذي دار حول مسألة العصمة وعن مدى شموليتها عند الأنبياء.

لكن المشكلة في شمولية مصطلح "العصمة" لكل أقوال وأفعال الأنبياء كما هو عند بعض السُنة، أو الأنبياء والأئمة معاً كما هو عند الشيعة، هو ليس الخلاف في أنواع "الذنوب" المعصومون عنها، إذ أنها لو بقيت كذلك لما كان هناك إشكالٌ أصلاً، ولكن المشكلة في الذهنية الإسلامية أتت من اعتبار أن جميع ما يصدر عن النبي، والأئمة عند الشيعة، من قول أو فعل هو ذو مصدر إلهي لا يحتمل الخطأ، وبالتالي هو مصدر محتمل للتشريع أو مصدر لقواعد يقع مخالفها تحت طائلة العقاب.

العصمة، كمفهوم،

لم يكن معروفاً

عند المسلمين

الأوائل

وهذا بدوره لا تقره آيات القرآن نفسها ولا تقره السيرة النبوية أيضاً. فالآيات التي عاتب اللهُ فيها النبي على فعل قام به متعددة متنوعة في القرآن (تُعرف بآيات العتاب)، كما أن الحديث المنسوب للنبي والسيرة النبوية تنقلان لنا قصصاً متنوعة من هذا النوع أيضاً أشهرها حادثة تأبير (تلقيح) النخل التي قال النبي فيها للمسلمين صراحة عند قيامهم بتلقيح النخل: (لو لم تفعلوا لصَلُح)، أي إذا لم تلقحوا النخل لصلح حاله أيضاً. وبالطبع، عندما ترك المسلمون تلقيح النخل امتثالاً لرأي النبي كان الناتج والمحصول "شيصاً"، أي محصول رديء، كما في رواية صحيح مسلم، وعندها قال النبي مقولته الشهيرة التي صمت عنها فقهاء الإسلام سنتهم وشيعتهم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) وقال أيضاً (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن).

قصة الغرانيق، وتأبير النخل، وما عرضناه من حادثة عمر بن الخطاب أعلاه، وغيرها من الحوادث المتعددة مثل اعتراض العباس عم النبي على تحريم عضد نبات الأذخر ضمن محيط الحرم المكي وقبول النبي محمد هذا الاعتراض هذا مع التشديد على أن الرأي الفقهي الإسلامي هو أن التحليل والتحريم هما من حق الشارع فقط دون بني البشر، هذه كلها تبين بوضوح حجم الإشكالية في المفهوم العام للعصمة، ليس فقط في أمور الدنيا، ولكن في أمور التبليغ أيضاً. وهذا يضعنا أمام حتمية إعادة النظر في هذا المفهوم الإسلامي وما بُنيَ عليه من نتائج.

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)


[1] حسن محسن رمضان, نقد نص الحديث : جهيمان العتيبي واحتلال الحرم المكي كمدخل, دار الحصاد – دمشق  2010.