رياض حمادي

كثرت التعريفات التي تحاول تلخيص الجوهر الإنساني فهو "حيوان عاقل " وهو " حيوان متكلم " إلى آخر التعريفات. وهنا لن يضير إضافة تعريف آخر لهذا الإنسان مقتبس من حقيقة من حقائقه وعادة من عاداته وهي التحريف. لذلك يستحق هذا الإنسان أن نعرفه بأنه " حيوان محرِّف ". ومحرِّف لكتبه المقدسة على وجه التحديد. إذ لم يسلم أي كتاب مقدس من أن تطاله يد التحريف, بما في ذلك القرآن ولو أنه الأقل عرضة لهذه العادة الإنسانية, ساعده في ذلك تدوينه في وقت مبكر.

لكن هذه العادة – التحريف - تبدوا منسجمة مع حركة التاريخ الطبيعية ومع واقع الإنسان وفطرته التواقة دوما للتغير والتبدل وعدم الرغبة في الاستقرار والثبات عند نمط محدد ومؤبد حتى ولو كان هذا النمط نصا مقدسا مرسلا من قبل إله كل يوم هو في شان وليس كمثله شيء. 

هناك من رأى في

هذا الفعل عصبية

قبلية قرشية

الرواية الرسمية لإقدام عثمان بن عفان على توحيد المصاحف هي الخوف من تفرق وتشتت كلمة المسلمين والرغبة في توحيدهم على كلمة واحدة وكتاب واحد, خصوصا بعد دخول الإسلام من قوميات وأعراق مختلفة يتحدثون بألسنة ولغات متعددة. وهناك من رأى في هذا الفعل عصبية قبلية قرشية تمثلت في الانحياز للهجة قريش وتوحيد المسلمين حولها. وهناك من رأى أن المصاحف كانت تحتوي على قدر من الاختلاف فيما بينها وهو الذي استدعى من عثمان أن يوحد كلمة المسلمين على مصحف واحد خوفا من أن يتعصب كل فريق لمصحف فتتفرق كلمة المسلمين.

توحيد عثمان للمصاحف: هدفه توحيد السلطة والمرجعية الدينية والسياسية

ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي لتوحيد عثمان للمصاحف في مصحف واحد كان الهدف منه توحيدا للسلطة والمرجعية الدينية والسياسية, فقد كان كل مصحف من المصاحف الأخرى يمثل سلطة سياسية ودينية وقيمة مرجعية يمكنها أن تشكل خطرا على رأس وهرم السلطة السياسية الرسمية آنذاك وهو عثمان وأسرته الأموية. هذا التوحيد للمصاحف في المصحف الرسمي العثماني وإحراق بقية المصاحف الأخرى حال دون تحريف القرآن, أو الاستمرار في تحريفه, فقد كان يمكن لأي فريق سياسي وفي ظل وجود بقية المصاحف الأخرى واشتعال الصراع على السلطة, أن يُحدث في مصحفه ما يخدم أهدافه السياسية. وتاريخ المسلمين والصحابة يبين لنا أنهم لم يكونوا ليتورعوا عن الإقدام على مثل هكذا عمل.

جمع عثمان للمصاحف في مصحف واحد فوت فرصة استمرار تحريفه في متنه, لكن الفرصة لم تفت بالكامل فقد كان هناك طريق آخر للتحريف وربما أخطر من تحريف المتن القرآني وهو إحداث كتاب آخر إلى جانب القرآن. هذا الدافع لم يكن في الحقيقة يهدف إلى تشتيت كلمة المسلمين وتحريفا للقرآن كهدف وغاية أساسية وإنما كان يهدف إلى البحث عن شرعية دينية لسلطة سياسية متهافتة وطاغية. وهكذا ولدت كتب "الحديث" والتي تحمل نفس الاسم الذي يحمله القرآن ضمن الأسماء الأخرى التي يحملها فقد ورد اسم " الحديث " كاسم للقرآن خمس مرات:

{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً }الكهف6

{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }الزمر23
{أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ }النجم59

{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ }الواقعة81

{فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ }القلم44

قد ورد اسم

"الحديث" كاسم

للقرآن خمس مرات

هذا الحديث – القرآن – لم يكن يسمح لهم بشرعية مفقودة, مع أن بني أمية ومن جاء بعدهم قاموا بتحريف تأويلي للقرآن وسخروا كل فقهاء السلاطين للقيام بهذه المهمة من أجل تشريع قهرهم وظلمهم للناس. لكنهم كانوا بحاجة كبيرة لكتاب يضمن لهم مزيدا من الشرعية. وربما كان هذا هو الدافع الرئيسي وراء اختلاق الأحاديث في مرحلة وجمعها في مرحلة لاحقة. وعلى هذا لم يكن جامعي الأحاديث أكثر من موظفين لدى السلاطين وإن بطريقة غير مباشرة. يستحقون معه وصف القرآن:

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } لقمان6

التخوف الذي كان يبديه الرسول ومن أتى بعده من الصحابة من مسألة جمع الحديث كان له محل من الواقعية فقد صدق توقعهم وتخوفهم من أن يحتل أي كتاب آخر إلى جانب القرآن المنزلة والمكانة التي يحتلها القرآن. وها نحن نرى أن الاستشهاد بالحديث – والحديث الأصولي الخرافي – أصبح مقدما عند كثير من المتحدثين باسم الإسلام والداعين إليه اليوم. معيدين بذلك وصف القرآن للذين كانوا يشمئزون عند سماعهم للقرآن وحده ولأنهم لا يقتنعون بكتاب واحد كان لزاما عليهم أن يبتكروا كتبا أخرى يستبشرون بها.

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } الزمر45

تحريف القرآن بالحديث:


أولاً تحريف أهل السنة للقرآن:

"تزعم عائشة (أم المؤمنين) أنه «أنزل في القرآن [آية تقول] «عشر رضعات معلومات»، فنسخ من ذلك إلى خمس، وصار إلى خمس رضعات معلومات. فتوفي رسول الله (ص) والأمر على ذلك... وتؤكد عائشة وجود هذه الآية في القرآن، فتقول: «كانت فيما أنزل الله عز وجل من القرآن: عشر رضعات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن. فتوفي النبي (ص) وهن مما يقرأ من القرآن» - فأين ذهبت هذه الآية الهامة للغاية؟!"

جورج طرابيشي: الجدال مستمر في المواقع الإلكترونية المتحاربة

"وتقول عائشة: «لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله (ص) وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها», وفي نص آخر: «لقد أنزلت آية الرجم ورضعات الكبير عشراً، فكانت في ورقة تحت سريري في بيتي، فلمّا اشتكى رسول الله (ص)، تشاغلنا بأمره، ودخلت دويبة لنا، فأكلتها». من ناحية أخرى، يقول ابن حزم: «وهذا حديث صحيح، وليس على ما ظنوا، لأن آية الرجم إذا نزلت حفظت وعرفت وعمل بها رسول الله (ص)، إلا أنّه لم يكتبها نسّاخ القرآن في المصاحف، ولا أثبتوا لفظها في القرآن»."

"من ناحية أخرى، فعمر بن الخطاب، في روايات كثيرة، يدعم ما تقوله عائشة، حين يتحدّث عن وجود آية الرجم، التي أسقطت من القرآن، والتي يرى أبي بن كعب أنها كانت موجودة في سورة الأحزاب؛ فقد قال: «كم تعدّون سورة الأحزاب؛ قلت [زر]: ثلاثاً وسبعين آية! قال: فوالذي يحلف به أبي بن كعب، إن كانت لتعدل سورة البقرة أو أطول. ولقد قرأنا منها آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم». ( وهذا غيض من فيض ) المصدر – نبيل فياض – أم المؤمنين تأكل أولادها.

لم يكن جامعي

الأحاديث أكثر

من موظفين

لدى السلاطين

جدير بالذكر أن أهل السنة مازالوا مستمرين في تحريف القرآن - شأنهم في ذلك شأن الشيعة – حيث وجود هذه الأحاديث في كتب صحاحهم - والتي تفيد بتحريف ونقص وعدم كمال القرآن الذي بين أيديهم – يعني تصديقهم وإيمانهم بهذا النقص والتحريف.

ثانياً تحريف الشيعة للقرآن:

هذا عن تحريف السنة للقرآن أما عن تحريف الشيعة له فيأخذ أبعادا أخرى " فتقول بعض المراجع الشيعية – أو تُقَوَّل من قبل أهل السنة على ما فعل محب الدين الخطيب في كتابه " الخطوط العريضة " حيث يقول أن سورة الولاية حُذفت من المصحف العثماني. وقد جاء في نص هذه السورة على ما يقال: " يا أيها الذين آمَنوا أمِنوا بالنبي والولي اللذين بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم, نبي وولي بعضهما من بعض " والجدال حول هذه السورة مستمر اليوم في المواقع الإلكترونية السنية والشيعية المتحاربة. وبينما تميل المواقع الشيعية إلى نفي وجود تلك السورة, وتتهم الخصوم بأنهم هم من اصطنعوا هذه العوى ليلصقوا بالشيعة تهمة القول بتحريف القرآن, تؤكد المواقع السنية أن هذا النفي وهذا التخريج هما من قبيل التقية. والجدير بالذكر أن بعض رجال الكهنوت المسيحي تدخلوا بدورهم في هذا الصراع بين السنة والشيعة حول سورة الولاية المحذوفة من المصحف ليوظفوا لحسابهم الخاص دعوى تحريف القرآن على نحو ما فعل الأب يوسف درة الحداد في كتابه " الإتقان في تحريف القرآن " والقمص زكريا بطرس في تلفزيون " قناة الحياة ". " جورج طرابيشي – هرطقات 2. 

هذا مجرد مثال واحد لتحريف الشيعة للقرآن وإلا فالأمثلة كثيرة ولا يمكن نفيها بالتقية فهي مثبتة في أدبياتهم وأصول كتبهم ويمكن الرجوع إلى مثل هذا النوع من التحريف في كتاب " مشكلة الحديث" ليحي محمد, ففيه الكثير من التفاصيل والأمثلة على تحريف الشيعة للقرآن.