العفيف الأخضر

اقترحتَ في بحثك، خريطة طريق لتغيير هذا الشعور بالذنب، المتأصل في النفسية الجمعية الإسلامية إلى شعور صحي بالذنب. فما هي هذه الخريطة وما هو الشعور الصّحي بالذنب؟

الشعور الصّحي بالذنب، هو الذي يعتري كلاّ منّا، عندما يرتكب خطأ أو خطيئة حقيقيّين. فيسارع إلى طلب الغفران أو جبر الضرر. ونقطة وإلى السطر.

رهان إصلاح الإسلام، بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان، هو تلطيف هذا الشعور الساحق بالذنب، منذ نبي الإسلام إلى اقصى اليمين الإسلامي المعاصر، مما جعل قطاعاً من المسلمين اليوم هاذياً دينيًّا، 15% من مسلمي العالم، حسب الإحصائيات الأمريكية، متطرفون: يمارسون الإرهاب أو مهيّأون لممارسته. كيف يمكن تحقيق ذلك؟

يتم تلطيف الشعور

الساحق بالذنب

بتغيير صورة الله

أساساً بتغيير صورة الله في اللاشعور الجمعي الإسلامي: من جلاد شديد العقاب، أي قاسي وخاصي، إلى أب حنون يفيض حباً لعياله وأبنائه المسلمين والناس أجمعين. هذا الانتقال كفيل بتصعيد الشعور الساحق بالذنب، من سديم اللاشعور إلى وضح الشعور. الشعور اللاشعوري بالذنب هو المسؤول النفسي الأول اليوم، عن التعصب والعنف والجريمة والإرهاب. وكلما تم تحويله تدريجياً إلى شعور واع بالذنب، من أخطاء وخطايا فعلية وجدية، لا من خطايا وهمية او تافهة، يهوّلها هذيان الشعور بالذنب، كما في حالة نبي الإسلام، أو المتطرفين المعاصرين، كلما كفّ الشعور بالذنب عن كونه مصدراً للتعصب والعنف والجريمة. المطالبون بجلد شارب الخمر 80 جلدة، وقطع يد السارق، ورجم الزاني والزانية، ودق عنق المرتد والجهاد في "الكفار" لإدخالهم في الإسلام إكراهاً! هؤلاء هم ضحايا الشعور اللاّشعوري بالذّنب؛ بإمكانهم ارتكاب مذبحة كونيّة، إذا امتلكوا أسلحة الدمار الشامل. وهي إمكانية ليست أفلاطونيّة. ممارسة هذا الإرهاب الشرعي أو المطالبة بممارسته، هما اليوم الدافع الديني القوي للجهاد ـ الإرهاب المُعولَم!

من ضحايا الشعور اللاّشعوري بالذّنب

تغيير صورة الله من إلاه ـ أب سادي، يُعذب أبناءه العاصين لأوامره ونواهيه، بشوائهم في نار جهنم: "كلما نضجت جلودهم بّدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب (...)" (56، النساء) ليتلذذ بمواصلة تعذيبهم! يا له من إلاه جلاد!

لا ينبغي بعد اليوم، أن يكون الله هو هذا الأب الجبار، القاسي الخاصي، الذي يُحقننا بالشعور الساحق بالذنب، كشهادة قاطعة على طاعته طاعة عمياء وتكريس معظم وقتنا لأداء شعائره. هذه الصورة، الشبيهة بصورة الوالدين الغاشمين في العائلة الإسلامية التقليدية، جديرة بالتجاوز إلى نموذج إلاهي أرقّ قلباً: إلى إلاه – أب كلُّه حُبّ. كالإلاه الكاثوليكي اليوم.

حتى نتشجع على انجاز هذه الوثبة الضرورية إلى الأمام، الأمام الروحي والإنساني، يجب ان نوفر الشروط الضرورية، لتغيير علاقتنا بالله من علاقة قائمة على الخوف والشعور بالذنب، إلى علاقة قوامها الشعور بالحب، بالأمان والإطمئنان.

لتصحيح الصورة التي نملكها عن أنفسنا وعن الله، للإنتقال من الله الشديد العقاب إلى الله الكلي الحب والرحمة، لابد من خارطة طريق مرصودة لتغيير علاقة المسلم بالله: من الله ـ الأب الذي يشوينا في "نار حامية"، إلى الله ـ الأب الذي يحمينا من مخاوفنا الطفولية. هذه الخارطة تتحقق بـ:

* إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان من الإبتدائي إلى العالي، بما هو المعلَم الأساسي في طريق إسلام العقلانية الدينية المنفتحة على الإيمان كرهان وعلى الشك أيضاً...جميع القناعات السلمية مشروعة.

من عواقب الإسلام المدني

* التوقف عن تدريس الآيات التي تغسل أدمغة الأجيال الطالعة بالشعور السّاحق بالذنب، وعن استخدامها في الإعلام وتلاوتها في الصلاة خاصة الجماعية، وعن تدريس آيات الإيمان بالقدر، خيره وشره، أي الإيمان المازوشي بأن "المكتوب" على الجبين تراه العين، وتالياً الانتهاء من تدريس وترويج آيات التسيير، المخربة لثقة المسلمين في أنفسهم، وتقديرهم لها، وبدلاً منها ،تدريس آيات التخيير، التي تمسك بها المعتزلة، والتي تجعل من المسلم منذ نعومة أظفاره، يؤمن بأنه هو ـ وليس الله ـ خالق أفعاله، وصانع حاضره ومستقبله بالقرار الصائب الذي يصنعه العلم؛

قلت أيضا في كتابك أن آيات التخيير أخذها القرآن من المجوسية؟

نعم.أخذ محمد من اليهودية آيات التسيير،وأخذ من الماجوسية آيات التخيير،فجاء القرآن شكشوكه تونسية أو سلاطة مُشكّلة لبنانية.

* تدريس حقوق الإنسان، التي هي ترياق الشعور العصابي والذهاني بالذنب، أُلح على هذه النقطة؛ لأن استبطان حقوق الإنسان، يحوّل ما اعتبره الدين ذنوباً، إلى حقوق يمارسها الفرد المسلم ببراءة واعتزاز. لا شيء كتدريس حقوق الإنسان للوصول إلى التحرر الذهني الضروري لتأسيس الحرية وميلاد الفرد المستقل عن روح القطيع؛

* تشجيع وتعميم زواج الحب، على أنقاض زواج الإكراه التقليدي السائد؛ فقد أكدت الدراسات النفسية، أن أطفال زواج الحب، يكونون محبوبين من آبائهم. هذا الحب الأبوي منذ الطفولة يعطيهم الثقة في أنفسهم، التي هي ترياق سم الشعور بالذنب؛

*تدريس الفن والأدب الباسمين المنشطين لغرائز الحياة؛

* تعميم ثقافة الإقبال على التحليل النفسي، الذي يساعد الفرد على أن يعرف نفسه ويعترف بها.

لا شيء كتدريس

حقوق الإنسان

للوصول إلى

التحرر الذهني

عندئذ لا تعود الآيات المحكمات او المتشابهات هي التي تتحكم في تقرير مصيرنا؛ بل يعوضها العلم والتكنولوجيا والقيم الإنسانية والمؤسسات العلمانية والديمقراطية.

كيف تجلى هذا الشعور السقيم بالذنب عند محمد في مكة والمدينة؟

كان في مكة يشعر بالذنب الساحق، لمجرد أنه تهاون بابن أم مكتوم، فتنزل عليه هذياناته وهلاوسه سورة لتأنيبه وتذنيبه؛ وينتابه شعور مماثل، عندما يفضل مجالسة المشركين على مجالسة عبيدهم، الذين آمنوا به. لكن نبي الإسلام نفسه يأمر بقتل، في يوم ونصف، بين 700 إلى 900 من ذكور بني قريظة، دون أن يشعر بأي ذنب، بل ربما شعر براحة ضمير، لأنه تقرّب إلى الله، بتعذيبهم وسفك دمائهم!

صورة الله كأب سادي يُعذب أبناءه

في مكة كان يدعم شرعيته بما ُأُنزل على أهل الكتاب ويوصي أصحابه: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (46، العنكبوت). أما في المدينة فجادلهم هو نفسه وأصحابه بالتي هي أخشن قولاً وفعلاً.

هذيان التراجع عن المكاسب والانجازات، التي حققها نبي الإسلام في القرآن المكي، وفي السنتين الأوليتين من الإسلام المدني، قبل أن يُشّرع للجهاد: وصايا بالعدل والإحسان والرحمة ومكارم الأخلاق، والاعتراف بالديانات المعروفة في عصره، كاليهودية والمسيحية والمجوسية والصابئة، بما هن طريق ممكن للخلاص الروحي للمؤمنين بهن، والاعتراف بالحريات الدينية، بل وحتى بحرية الضمير، أي عدم الأخذ بأي دين:

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ومن آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (69، المائدة)،

ويعترف لمشركي قريش:

وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24، سبأ).

بل واعترف حتى بحرية الضمير،أي عدم الإيمان بأي دين:

فمن شاء فليؤمن،ومن شاء فليكفر(29،الكهف).

حسب منطق النسخ الّلامعقول، الذي وصفته بالهذيان، نَسخت آية واحدة من الإسلام المدني: "فإذا انسلخ الأشهر الحُرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (...)" (165، التوبة) 123 آية، أسست للتسامح الديني؛ كما أن آية النرجسية الدينية: "إن الدين عند الله الإسلام" (19، آل عمران) نسخت جميع آيات الاعتراف بالحريات الدينية وبالديانات السابقة، كاليهودية والمسيحية، التي ـ كما قيل بعد نسخها ـ لم تكن ديانات، بل كانت مجرد شرائع، نسختها الشريعة الإسلامية!

نَسخت آية واحدة

من الإسلام المدني

123 آية أسست

للتسامح الديني

وهكذا نُسخت جميع الأديان والشرائع سواء منها التوحيدية أو الوثنية وباتت البشرية، حسب فقه جهاد الطلب، أي غزو البلدان الأخرى، واقعة تحت تهديد: جيوش الجهاد: إما الدخول في الإسلام، وإما الجزية وإما الحرب! ونسخت آية تشريع القتال في المدينة: "أُذن للذين يُقاتلون [بفتح التاء] بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير" (39، الحج) حوالي 70 آية من آيات التسامح والمسالمة، ودخل النبي، المشرّع والمسلّح، في جدال عقيم مع اليهود والنصارى، مازال الجميع يكابد عواقبه الوخيمة حتى الساعة:

هل أنبئكم بشرّ من ذلك (...) عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير(60،المائدة) و

لتجدن أكثر الناس عداوة للذين آمنوا، اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا النصارى (...) (82، المائدة)

لكن سرعان ما سيتدخل هذيان النسخ لنسخ آخر الآية محولاً اليهود والنصارى معاً إلى أعداء ألّداء للمسلمين:

يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولاهم منكم، فإنه منهم (51، المائدة)

أي خرج من الإسلام ودخل في دينهم. تمسك الإسلام الصوفي بالإسلام المكي، وتمسك أقصى اليمين الإسلامي بالإسلام المدني.

الشريعة الإسلامية: ناسخة "الشرائع" السابقة

في المدينة اختفت السادية ضد الذات واختفت محاولات الانتحار؛ واختفى "التسامي" بغرائزه الجنسية المتفجرة في الانتاج القرآني، وفي الدعوة اليومية لدينه وفي العبادة الطويلة والشاقة. وهكذا انطلقت جميع غرائز نبي الإسلام العدوانية المكبوتة من عقالها لتصول وتجول. كان في مكّة يحاول إعطاء الموت الفعلي لنفسه بالإنتحار، أو الرمزي، بالتأنيب والتذنيب وتعذيب نفسه بالعبادة. فأصبح في المدينة يعطي الموت، الفعلي والرمزي والتعذيب للآخرين.

كتَبْتَ أيضا عن عواقب نَسخ الإسلام المكّي على المسلمين اليوم؟

هي كارثية وعلى غير المسلمين أيضا. عواقب الإسلام المدني، مقروءة في واقع كل بلد تقريباً في أرض الإسلام. طريقة محمد المدني في التفكير والتدبير في المدينة، تعود لشّل تفكير وتدبير النُخب والجمهور، حتى لا يتشجعوا على التقدم إلى الحداثة بما هي انفتاح على الآخر وعلى العالم الذي نعيش فيه. ومازال قطاع من النخب والجمهور، خاصة الإسلامي، يتخذ من إسلام المدينة نموذجاً له معتبراً النكوص إليه، في السياسة الداخلية والخارجية، واجباً دينياً. فـ "تقليد" النبي في حركاته وسكناته، من أوجب واجبات المسلم.تماماً كما هي عبادة الأسلاف عند قبائل استراليا البدائية:نذبح كما كان أسلافنا،في الزمن الأول،يذبحون، ونجلس الُقرفصاء كما كانوا يجلسون،ونتبول ونتغوط كما كانوا يتبولون ويتغوطون.

 

(اقرأ الجزء الاول من المقالة)

(اقرأ الجزء الثالث من المقالة)