سعيد ناشيد

خطأ شائع يحتاج إلى تصويب: عندما نتكلم عن القرآن، عادة ما نخلط بين ثلاث ظواهر مختلفة شكلاً ومضموناً. بل، قد لا يكون الأمر مجرّد خطأ طارئ، لعله خطيئة أصلية تتوارثها أبحاث القرآن -بما في ذلك الأبحاث العقلانية- فتأتي النّتائج في كل مرّة لفائدة الفكر السّلفي والأصولي. تحديداً، أَمامنا مسلّمة تشبه الحلقة المفرغة التي تعيدنا بعد كل جهد تجديدي إلى نقطة الجمود.

المُسلّمة مستلهمة من الآية التي تقول حَرفياً وبالفهم الحَرفي: ( كلٌّ من عند الله ) سورة النساء، الآية 78. غايتنا مساءلة المسلّمة. لكن، أليس القرآن كلام الله بالتمام والكمال؟ أليس الله ضمير المتكلم الكلي، حتى حين يتكلم بضمير الغائب، وربّما بضمير الغيب تحديداً؟ لن نصادر على المطلوب. والمطلوب أن نتفكّر في العبارة ( كلٌ من عند الله ): هل المقصود أنّ المصحف الذي بين أيدينا، بترتيبه وتبويبه وقواعد كتابته ورسمه وخطه وتنقيطه وتنوينه، هو أيضاً من عند الله؟

أحمد القبانجي: الوحي عبر قلب النبي ووجدانه

إجراء بسيط: إذا دفعنا مسلّمة ( كل من عند الله ) إلى حدودها القصوى، سنقع في مستنقع الآراء الأكثر سذاجة، والتي تظنّ أن المصحف بخطه وأوراقه ومداده أيضاً، كل من عند الله!

إذن، نحتاج للقيام بخطوة إلى الوراء، ومساءلة المسلّمة بدءاً بالسؤال: هل القرآن فعلا كلام الله؟ هل القرآن نص أمْلته السماء؟

لكن، ألا يحتمل هذا السّؤال مكراً خفياً، وذلك حين يشل قدراتنا على الإبداع، ويضعنا بين جوابين يقينيين متطرفين لا ثالث بينهما أو دونهما، فإما تأكيد مطلق أو إنكار مطلق؟ لا بد من قدر من التّنسيب. في كل الأحوال، لا توجد أجوبة جيدة عن أسئلة سيئة. لذلك يتوجّب علينا أن نسائل السؤال أولاً: ما المقصود بالقرآن؟

بمعزل عن النّزعات الاختزالية، في شقيها الرّوحاني والوضعاني، يدل القرآن على ثلاث ظواهر متباينة لا يجوز الخلط بينها:

1- الوحي الإلهي، وهو يحيل إلى الصور الوحيانية التي استشعرها الرّسول وتمثّلها، إما عبر قوّته التخييلية كما يقول الفارابي وابن عربي وسبينوزا عن تجارب النبوّة، أو عبر القلب والوجدان كما يؤكد المصلح الديني العراقي أحمد القبانجي.

علينا أن نسائل

السؤال أولاً: ما

المقصود بالقرآن؟

2- القرآن المحمّدي، وهو ثمرة جهد الرّسول في تأويل الوحي وترجمة الإشارات الإلهية إلى عبارات بشرية، انطلاقاً من وعيه وثقافته ومزاجه وشخصيته وقدراته التّأويلية. وقد استغرق هذا الجهد ما يقارب رُبع قرن من الزّمن. والمؤكد أن هذا الفارق بين القرآن المحمدي والوحي الإلهي قد سبق إلى التعبير عنه المصلح الديني الإيراني عبد الكريم سروش [1].

3- المصحف العثماني، وهو ثمرة جهد المسلمين في تحويل القرآن المحمدي –خلال مرحلة أولى- من آيات شفهية متناثرة إلى مصاحف متعددة، ثمّ –خلال مرحلة ثانية- من مصاحف متعددة إلى مصحف واحد وجامع، وفق نمط معيّن من التأليف والتبويب والتّرتيب، وبحسب قواعد محدّدة في اللغة والكتابة والخط. وقد استغرق هذا الجهد زهاء نصف قرن من الزمن. وللتذكير، فقد تمّت مفهمة (conceptualisation) هذا الجهد على يد المفكر العقلاني العربي جورج طرابيشي، عبر نحته لمفهوم "مصحفة القرآن"[2].

عبد الكريم سروش: القرآن كثمرة جهد الرّسول في تأويل الوحي

نعيد القول بعبارة أخرى، عند الكلام عن الخطاب القرآني، فنحن أمام ثلاث مستويات من التمظهر:

أولاً، الوحي الإلهي، وهو عبارة عن صور وحيانية "غامضة" يستشعرها الرّسول ويحاول التعبير عنها انطلاقا من ثقافته ولغته وبيئته؛

ثانيا، القرآن المحمدي، وهو عبارة عن آيات شفهية في الغالب متفرقة في الصدور وبعض الأدوات، بما فيها الآيات التي يُفترض أو يُحتمل أنها نُسخت أو ربما يُعتقد أنها نُسيت ( ما ننسخ من آية أو ننسيها... ) الآية؛

ثالثاً، المصحف العثماني وهو الذي اتخذ شكل نص رسمي، جمعه ورتبه وشكّله ونوّنه ونقّطه المسلمون بعد وفاة الرّسول، وعبر مسار استغرق عشرات السنين.

المشكلة بكل وضوح، أن تعامُلنا مع القرآن لم يعد ممكناً إلاّ من خلال تمظهره الأخير، أي المصحف العثماني. بل، حتى هذا المستوى لا ندركه إلاّ تجاوزاً، طالما أن النّسخ الأصلية لمصحف عثمان لا تزال في حكم المفقود، ولسنا نملك اليوم من أمرها سوى النّسخ المتأخرة، وهي نسخ معدّلة وتمّت إعادة كتابتها عقب تقعيد اللغة والكتابة والخط، وعلى الأرجح في زمن خلافة عبد الملك بن مروان.

السؤال: أين " كلام الله " من كل هذا؟ المشكل شائك ولا شكّ! لذلك، أقترح مقاربة الجواب عبر طرح سؤال بسيط، وفيه نحاول أن نتساءل حول علاقة الخبز بالقمح. بالطبع، لولا القمح لما كان هناك خبز. لكن هل هذا يكفي لكي نقول إن المزارع هو صانع الخبز!؟ ليس ثمة من شك في أن صانع الخبز هو الخبّاز وليس المزارع، وأن هذا الأخير لم يقدم أكثر من المادّة الأولية، التي هي القمح.

لسنا نملك اليوم

من أمرها سوى

النّسخ المتأخرة

وهي نسخ معدّلة

وتمّت إعادة كتابتها

نسبة القرآن إلى الله هي على نحو نسبة الخبز إلى المزارع: بمعنى، لولا الله لما وجد القرآن، لكن ليس القرآن كلام الله، مثلما ليس الخبز صنيعة المزارع. الله هو مُنتج المادّة الخام التي هي الوحي، مثلما أن المزارع هو منتج المادة الخام التي هي القمح. وكما أن الخباز هو الذي حوّل القمح أو دقيق القمح إلى خبز وفق رؤيته الخاصة ومهاراته الفنية وقدراته الإبداعية، فإن الرّسول هو المسؤول عن تأويل الوحي وتحويله إلى عبارات وكلمات وفق رؤيته الخاصة.

نستخلص من ذلك أن القرآن هو كلام الرّسول محمد عليه السلام، كلامه الذي يُعبر عن ثقافته ولغته وشخصيته وبيئته وعصره. وهذا دون أن ننفي دور الله الذي لولاه لما وُجدت المادّة الخام.

جورج طرابيشي: "مصحفة القرآن"

وبالأحرى، حين نضع نصب أعيننا أننا لا نعرف من أمر الخطاب القرآني سوى المصحف المدوّن على نحو معين من قواعد الكتابة وضوابط الإملاء وظروف الجمع وخلفيات الترتيب، يكون بوسعنا القول إننا أمام نص بشري بلا خلاف، أو هكذا يُفترض. ربما تبدو الأمور أكثر وضوحاً الآن، فعند الكلام عن القرآن لا يجوز الخلط بين ثلاث مستويات:

أولاً، الوحي الإلهي الذي ألهم الرّسول. ويمثل نوعاً من المادّة الخام. ولا نعرفه إلاّ عبر التأويل المحمدي.

ثانياً، القرآن المحمدي، وهو نتاج تأويل الرّسول لإشارات الوحي الإلهي. وهو بدوره لا نعرفه إلا من خلال التأويل المصحفي.

ثالثاً، المصحف العثماني، ويمثل الصياغة النصية الرّسمية للقرآن المحمدي، والذي هو بدوره محض تأويل للوحي.

بل، حتى المصحف العثماني لا نعرف منه إلاّ النسخ المتأخرة التي وصلتنا عقب تقعيد اللغة والكتابة والخط. وهي نفسها وصلتنا باختلاف في القراءات تنقيطا وتنوينا، وأحياناً باختلاف "مطبعي معاصر" في تقسيم وترقيم آيات بعض السور[3].

هذا يعني أننا لا نملك من أمر القرآن اليوم سوى نسخٍ لنسخ، ولا نعرف عنه سوى تأويلات لتأويلات. وهذا يكفي لكي نقول إن نسخ المصحف العثماني التي صارت بين أيدينا –باختلافها في القراءات- نصوص بشرية تاريخية تراثية وأرضيّة، بكل ما تعنيه الكلمات من دلالات. صحيح أنّ منبعها الأول إلهام إلهي، لكن لا ماء يعود إلى السماء غيماً كما كان. والأصح أن نقول إن الوحي الإلهي بعد أن صيّره الرّسول قرآناً محمدياً، ثم صيّره المسلمون مصحفاً عثمانياً، صار نصّاً بشرياً شكلا ومضموناً.


عبد الكريم شروس، بسط التجربة النبوية، ترجمة أحمد القبانجي، منشورات الجمل، بيروت-بغداد، 2009.[1]

جورج طرابيشي، إشكاليات العقل العربي، دار الساقي، بيروت- لندن، الطبعة الرابعة 2011، ص: 63.[2]

بعض المصاحف ذات الطبعة الحديثة تعتبر بعض فواتح السور (الكلمات المبهمة) آيات مستقلة، بخلاف مصاحف الطبعات القديمة.[3]